ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي (الفصل الثامن عشر)

ملكي وكفي (الفصل الثامن عشر)

في هذه الحياة…
هناك لحظات لا يحتاج فيها الحق إلى من ينادي باسمه، لأنه يأتي بنفسه ليطرق الأبواب.
لحظات ينقلب فيها الصياد إلى فريسة…
والقوي إلى عاجز…
والخائف إلى مقاتل لا يعرف الاستسلام.
بين نار الانتقام، ووجع الفقد، ورعشة الأمل…
تُكشف أسرار دُفنت طويلًا، وتُختبر قلوب ظنت أنها صمدت أمام كل شيء.
لكن بعض القلوب…
حين تحب، تحارب حتى النهاية.

ليست كل الحروب تُخاض بالأسلحة…
فبعضها يبدأ داخل قاعاتٍ باردة، حيث تسقط الأقنعة وتتكلم الأدلة.
وبعضها يُخاض داخل القلوب، حين يصبح الخوف على من نحب أقوى من الخوف على أنفسنا.
بين رجلٍ يواجه نهاية كل ما بناه…
ورجلٍ يقاتل بكل ما يملك لينقذ من تبقى له…
تتشابك الخيوط، ويقترب الحساب.
فالظلم مهما طال عمره…
تأتي لحظة يدفع فيها ثمن كل دمعة تسبب بها، وكل قلب كسره، وكل ألمٍ زرعه في طريق الآخرين.

اهتز الكرسي الحديدي بعنف تحت جسد عزيز، وانتفضت عضلات عنقه، وبرزت عروقه حتى خُيل للناظر أنها ستتمزق من شدة الغضب.

دوى زئيره داخل المخزن… زئير رجل لم يعد يخشى الموت…

بل صار يخشاه على أمه وحدها.

وفجأة…

دوى انفجار هائل هز أركان المخزن، وتحول بابه الحديدي إلى شظايا متناثرة،

بعدما اخترقته سيارة شاهين الجيب بكل ما فيها من اندفاع أعمى، كوحش انطلق ليفترس كل من يقف في طريقه…

انحرفت السيارة بعنف داخل المخزن، تدور حول نفسها بشراسة، قبل أن تدهس ثلاثة رجال حاولوا اعتراضها، فتناثرت أجسادهم تحت عجلاتها دون أن تتمكن أقدامهم حتى من الهرب.

وفي اللحظة نفسها…
اقتحمت سيارة أحمد وسعد المدخل المحطم، وخلفها عشرات الرجال المدججين بالسلاح.

ثم اندفعت سيارة يونس وياسين كالسهم، تشق سحب الغبار، يتبعها عدد آخر من رجال المهدي.

وخلال ثواني…

تحول المخزن إلى ساحة حرب.
دوت طلقات الرصاص من كل اتجاه،

وتعالت أصوات الانفجارات والصراخ، بينما كانت الرصاصات تمزق الهواء بلا رحمة، وكل طلقة تجد طريقها إلى جسد رجل يسقط مضرج بدمائه..

ارتد سميح إلى الخلف وقد تبدلت ملامحه، واتسعت عيناه برعب لم يعرفه من قبل، ثم صاح بأعلى صوته، وهو يلتفت حوله بجنون:
إنتوا فين يا ولاد الحرام؟! غطوا ضهري… غطوا ضهري! أنا لازم أهرب… لازم أهرب!

التف رجال سميح حوله في دائرة ضيقة، بنادقهم مشرعة في كل اتجاه، وأصابعهم المرتجفة تستقر فوق الزناد، بينما الرعب كان أوضح على وجوههم من شراسة أسلحتهم، وكأن الموت نفسه وقف أمامهم في هيئة رجل.

ترجل شاهين من السيارة ببطء…

وعلى يمينه أحمد، وعن يساره يونس وياسين وسعد، وخلفهم رجال المهدي يتقدمون بخطوات ثابتة، وعيونهم لا تعرف سوى هدف واحد.

مرت تلك اللحظات على سميح كأنها سكين باردة تشق جسده شق…

كان يرى رجاله يتساقطون واحد تلو الآخر، بينما المسافة بينه وبين شاهين تتقلص مع كل خطوة.

تراجع للخلف غريزيًا…

خطوة…

ثم أخرى…

حتى اصطدم ظهره بإحدى السيارات، فتجمد في مكانه، وقد أدرك أنه لم يعد يملك طريق للهرب.

أما شاهين…

فلم يتوقف.

ظل يقترب بخطوات هادئة، لكنها كانت كافية لتجعل سميح يتمنى أن يسبقه الموت إليه، قبل أن تصل إليه يد ذلك الرجل.

وفجأة…

انقض شاهين عليه كالصاعقة.

قبض على عنقه بكلتا يديه، وضغط بكل ما يملك من قوة، حتى ارتفعت قدما سميح عن الأرض، وأخذ يختنق وهو يضرب ذراعي شاهين بيأس.

وفي عقل شاهين…
لم يكن يرى وجه سميح.

كان يرى حور…
وهي تسقط بين ذراعيه فاقدة الوعي.
يرى شفتيها الزرقاوين…

وجسدها البارد…
والخوف الذي مزق قلبه وهو يظن أنه فقدها إلى الأبد.

وكلما مرت صورة في رأسه…

ازدادت أصابعه انغراس حول عنق سميح.

حتى دوى صوت طرقة خافتة خرجت من فقرات عنقه…

صوت جعل الواقفين يدركون أن شاهين أوشك على كسر رقبته.

اندفع أحمد نحوه في اللحظة الأخيرة، وأمسكه من كتفيه بكل قوته، ثم جذبه بعنف إلى الخلف.

انفلت جسد سميح من قبضته، وسقط على الأرض كقطعة قماش بالية، يلهث بعنف قبل أن تغيب عيناه ويفقد وعيه تمامًا.

التفت أحمد إلى شاهين، وقد اشتعل الغضب في عينيه، وصاح:
يا أخي هتبوظ كل حاجة بغباءك؟!
امسك عقلك يا شاهين!

كان صدر شاهين يعلو ويهبط بعنف، وعيناه تقدحان شررًا، ثم صاح بصوت مبحوح من شدة القهر:
ولاد الكلب… كانوا السبب! كانت هتضيع مني… رجعتها من حنك الموت!

أمسك أحمد وجهه بكلتا يديه، وقبض على صدغيه بقوة، وهزه هزة عنيفة حتى يجبره على استعادة وعيه، ثم هدر بنبرة صارمة:
ماشي… عندك ألف حق….بس اخد الحق حرفه … أنا قولتلك قبل كده… مش عايزك تقع مني في نص السكة يا شاهين….
إحنا قربنا… ومش هسيبك تضيع كل اللي عملناه عشان لحظة تهور….

توقف شاهين للحظة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، كأن الغضب ما زال يركض في عروقه ولم يجد بعد طريق للخروج…

كانت عيناه مشتعلة، ويداه ترتجفان من أثر اللحظة التي كاد فيها أن يزهق روح سميح بين أصابعه.

لكن صوت أحمد ظل يتردد في رأسه:
مش عايزك تقع مني في السكة يا شاهين..

أغمض عينيه لثواني…
ثم فتحهما، وسحب نفس عميق، قبل أن تقع عيناه على عزيز.

كان يونس وياسين يحاولان فك قيوده بسرعة، بينما بدا جسده واهن، متهادي كأن آخر ما تبقى فيه من قوة قد استنزف…

اندفع شاهين نحوهما، وجثا بجوار عزيز، ثم مد يديه يساعدهما في فك القيود الحديدية التي جرحت معصميه

ما إن تحررت يداه…
حتى التفت عزيز إلى شاهين.
بوجهه شاحب، وأنفاسه متقطعة، وعيناه بالكاد تستطيعان البقاء مفتوحتين.

غمغم بصوت واهن، يحمل عتاب خافت: اتأخرت أوي يا جدع…

ثم انطفأت عيناه.
وسقط رأسه إلى الأمام، فاقد الوعي.

تجمد شاهين للحظة، قبل أن يمد ذراعيه بسرعة ويمسك بجسده المتهادي، مانع إياه من السقوط على الأرض…

قال بصوت حاد: خدوه على العربية بسرعة.
أومأ يونس برأسه، وانحنى ليساعده، بينما قال بلهجة جادة: ماشي… بس خلي بالك، وخلي عينك في وسط راسك.

أما ياسين، فحمل جسد عزيز من الجهة الأخرى، وهو يزفر بضيق، ثم قال بنبرة حاول بها أن يخفف التوتر: يخربيت أمك… كانت بترضعك زلط؟

رمقه شاهين بنظرة غاضبة، ولكزه في ذراعه وهو يتمتم: لم لسانك.

أومأ ياسين برأسه سريعًا، وقال بجدية مصطنعة: آه صح… نسيت.

تحرك الثلاثة بسرعة نحو السيارة، يحملون عزيز بحذر، بينما بقي شاهين خلفهم لحظة يتأكد أن الطريق آمن.

ثم استدار.
عاد إلى أحمد…

فوجد سعد يساعده في رفع سميح.
الذي ما يزال فاقد الوعي، وجسده يتدلى بلا مقاومة، بينما ربط أحمد قدميه بحبل قوي…

ثم علقه بمساعدة سعد في سقف المخزن.
تدلى سميح رأسًا على عقب…

يتأرجح ببطء وسط أضواء المخزن المرتعشة.

وقف شاهين أمامه، يحدق فيه بعينين باردتين هذه المرة…

لم تعد فيهما تلك العاصفة العمياء التي كادت تقتله منذ لحظات…

بل كان هناك شيء أخطر.
هدوء رجل قرر أن يأخذ حقه…
حرف حرف…

اقترب شاهين بخطوات هادئة حتى توقف أمام سميح المعلق رأسًا على عقب…

ثم مال برأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية باردة…

ومد كفه نحو سعد.
فهم سعد ما يريده دون كلمة، فوضع المسدس في يده.

قبض شاهين عليه، ثم وجه فوهته مباشرة نحو فخذ سميح…

ولم يمنحه ثانية واحدة ليستوعب.

دوى صوت الرصاصة داخل المخزن.
اخترقت الرصاصة فخذ سميح…

فانفجر صراخه حتى كاد يمزق جدران المكان، واهتز جسده المعلق بعنف، بينما تدفقت الدماء من موضع الإصابة تقطر على أرضية المخزن.

اتسعت عيناه برعب هستيري، وراح يصرخ وهو يلهث من شدة الألم:
لاااا… لا يا شاهين! والله مليش دعوة بموضوع السم! أنا أصلًا كنت تعبان!

أومأ شاهين برأسه في هدوء مرعب، ثم رفع المسدس يتأمل فوهته، وحك بها فوق حاجبه وهو يعقد جبينه قائلًا ببرود:
إيه ده… دي سخنة أوي… أمال الرصاصة وهي داخلة العين تبقى عاملة إزاي؟

تجمد الدم في عروق سميح، وارتجف جسده كله، بينما ازداد نزيف فخذه، وصاح بصوت متحشرج من الرعب:
لا… لا… ارجوك يا شاهين… أنا مستعد أعمل أي حاجة… بس بلاش تقتلني.

أنزل شاهين المسدس ببطء، ثم أخرج من خلف ظهره ملف أسود، فتحه أمام وجه سميح وقال بصوت حاد: شايف الورق ده؟

نظر سميح إلى الأوراق بعينين زائغتين، لكن الكلمات كانت تتراقص أمامه، تتداخل وتتشوه بين الدم الذي اندفع إلى رأسه بفعل تعليقه رأسًا على عقب، وبين دموع الرعب التي غشت بصره.

هز رأسه بعجز، وقال بصوت متقطع:
أنا… أنا مش شايف… الكتابة بالمقلوب.

في لحظة…

اندفع أحمد، وقبض على عنقه بعنف حتى انقطعت أنفاسه، ثم غرس فوهة المسدس في صدغه وهو يهدر بغضب:
ده تنازل يا ابن الـ…! تنازل عن كل أملاكك… وكل قرش ليك في أي شركة شريك فيها مع عابدين الكلب!

شهق سميح، واتسعت عيناه في فزع، وحاول أن يهز رأسه نافيًا، لكن قبضة أحمد الحديدية شلت حركته.

خرج صوته مبحوح، يكاد يختنق:
لا… مينفعش… لو عملت كده عابدين هيقتلني… والله هيقتلني.

اقترب شاهين بخطوات بطيئة، بينما كان يعبث بهاتفه في هدوء أثار الرعب أكثر من الصراخ.

ثم رفع الشاشة أمام وجه سميح، وقال بنبرة باردة: تموت إنت… ولا يموت هو؟

انعقدت ملامح سميح.
ثم…

ما إن وقعت عيناه على شاشة الهاتف، حتى تجمد الدم في عروقه.

اتسعت حدقتاه إلى أقصى حد، وانفرج فمه دون صوت.

كان الفيديو يظهر فتى يخرج من بوابة مدرسته الثانوية في موسكو، يحمل حقيبته فوق كتفه، ويسير مطمئن لا يعلم أن عيون تراقبه.

ابنه…
ابنه الوحيد.
السر الذي دفنه سنوات طويلة.

السر الذي ظن أنه أخفاه خلف آلاف الكيلومترات، وحرم نفسه من رؤيته ليحميه من عالمه القذر…

انهار في لحظة واحدة.

ارتجف جسده المعلق بعنف، وانطلقت منه شهقة مذعورة، وهو يحدق في الشاشة كمن يرى روحه تسحب من بين ضلوعه.

أما شاهين…

فأطلق ضحكة قصيرة، لكنها كانت خاوية من أي روح.

ثم انحنى حتى أصبحت عيناه في مستوى عيني سميح، وقال بابتسامة ساخرة تقطر احتقار :إيه… مستغرب أوي كده؟

مال أكثر، ثم أردف بصوت خافت كحد السكين: كنت فاكر إن ابنك من الراقصة الروسية… اللي عرفتها من السيرك… هيفضل سر لآخر عمرك؟

تجمدت أنفاس سميح.
وشعر لأول مرة…

أن شاهين لم يعد يهدد حياته…
بل صار يمسك قلبه بين أصابعه.

ابتلع سميح غصة حادة، شعر بها تهبط في حلقه كقطعة زجاج ممزقة، تخدش حنجرته حتى استقرت في صدره كخنجر مسموم.

حدق في شاهين بعينين متسعتين، ثم تمتم بصوت مرتعش فقد ما تبقى من ثباته:
إنت… عرفت كل ده إزاي؟

ارتسمت على شفتي شاهين ابتسامة باردة، لم تحمل إلا الكراهية الخالصة.

ثم قال بهدوء قاتل: حبيبك… عزيز… أخويا.

تجمد سميح للحظة…
ثم انفجر كالمجنون.

راح يهز جسده المعلق بعنف، حتى أخذ يتأرجح في الهواء، وهو يصرخ بصوت ممزق:
كدب!… لا… كدب! مستحيل! عزيز ابن الشيمي يبقى أخوك إزاي يا ابن المهدي؟!

في اللحظة التالية…

اندفع أحمد إليه، وقبض على شعره بعنف، ثم جذبه بقوة حتى خُيل لسميح أن فروة رأسه ستقتلع من جذورها.

وانحنى فوقه وهو يهدر في وجهه:
دي حاجة عقلك الخربان عمره ما هيعرف يوصلها…

ثم أشار إلى الأوراق الملقاة أمامه، وأردف بغلظة:
هتمضي… ولا زي ما الكاميرا وصلت لمدرسة ابنك… الرصاصة توصل لدماغه؟

شهق سميح شهقة مذعورة، وانطفأت آخر ذرة مقاومة في عينيه.

وأخذ يهز رأسه بجنون وهو يصيح:
لااا… همضي… والله همضي… بس ابني… بلاش ابني…

مد شاهين الأوراق إليه في هدوء مخيف، ثم وضع القلم بين أصابعه المرتعشة.

كان سميح يرتجف بعنف، حتى إن سن القلم ارتطم بالورق أكثر من مرة قبل أن ينجح في كتابة اسمه.

وقع…

خطا مهتز…
يحمل ذل رجل لم يبقي له سوى الخوف.

انتزع أحمد الأوراق من يده، ثم دفع رأسه بعنف حتى تأرجح جسده المعلق.

وقال بنبرة قاسية تقطر احتقار:
من النهارده… أي حركة غلط… رقبة الشملول اللي إنت مخبيه برة هي التمن.

واقترب أكثر، وهمس بصوت مرعب:
وساعتها… ابقى اقعد عيط زي النسوان… وانزل بدل الدموع دم… وإنت بتبص على راس ابنك متعلقة في الشارع… زي الدبيحة النجسة.

أطلق شاهين ضحكة قصيرة خالية من أي دفء، ثم قال وهو يربت على كتف أحمد ساخرًا:
خلاص يا أبو حميد… شكله فهم اللعبة كويس… أمانة متضغطش عليه أكتر من كده… حرام.

هز سعد رأسه مؤيدًا، وقال:
صح… يلا بينا يا معلم شاهين.

استدار الثلاثة معًا، واتجهوا بخطوات ثابتة نحو السيارات.

وخلفهم…

ارتفع صوت سميح المبحوح، ممزق سكون المخزن:
يا شاهين!… يا أحمد!… استنوا!… نزلوني!… هموت كده!… نزلوني… والنبي!

لم يلتفت إليه أحد.

فتح شاهين باب السيارة، ثم توقف لحظة واحدة.

أدار رأسه إليه، ورمقه بنظرة باردة خلت من أي شفقة، وقال:
متخفش… النجس عمره طويل.

ثم صعد إلى السيارة.
ولحق به أحمد وسعد وبقية الرجال.

وفي اللحظة التالية…

انطلقت السيارات كالسهم، تاركة خلفها سحب من الغبار، وصدى محركاتها يبتلع المكان شيئًا فشيئًا.

أما سميح…

فبقي معلق رأسا على عقب، يتأرجح في ظلمة المخزن، يصرخ حتى تمزق صوته:
لااااا!… استنوا!… نزلوني!… حرام عليكم!… حد ينزلني!…

لكن لم يجبه سوى الصدى…

وكان لأول مرة في حياته، يذوق طعم العجز الذي طالما سقاه لغيره.
…..

داخل سيارة شاهين…

التفت شاهين إلى عزيز الممدد في المقعد الخلفي، فاقد الوعي، وقد غطت الدماء ثيابه، ثم قال بقلق:
هنعمل إيه؟… نوديه مستشفى؟… ولا هنوديه فين؟ المستشفى يعني سين وجيم.

هز ياسين رأسه بيأس، ثم زفر بضيق وقال:
أمال الحنتور اللي مقلوب في البيت ده علمناه سبع سنين ليه؟… عشان يولد النسوان بس؟… ويشوف كل الحاجات ببلاش كل يوم… وإحنا نموت على لقطة؟… الله يحرقه.

أومأ يونس مؤيد وهو يضرب كف بكف:
آه يا جدع… تصدق يا حمار؟ أول مرة تقول كلمة عدلة في تاريخك الأسود… دانت طلعت بتفكر من دماغك يا لا…

انفجر شاهين ضاحكًا، وقال وهو يهز رأسه:
وأنا اللي كنت فاكره بيفكر بحتة تانية.

رمقهما ياسين بنظرة ساخرة، ثم قال وهو يعقد ذراعيه:
لا… أنا فعلًا بفكر بحتة تانية… حتة شبه غصن اللبان.

وفي اللحظة نفسها…
اشتعلت الغيرة داخل صدر يونس كالنار.

التفت إليه بعنف، ثم قبض على عنقه من الخلف وهدر:
وإنت شفتها فين يا ابن الـعـ..؟
نهار إسود! أوعى تكون اتلخبطت يا زفت… والله لأقتلك!

شهق ياسين وهو يحاول إبعاد ذراع يونس عن عنقه، ثم صاح بضيق:
بقولك إيه… متقرفنيش! إحنا داخلين على أيام سودا… أحسن حاجة نوعد بعض إننا نشتغل في الضلمة… لا إنت تشوف… ولا أنا أشوف!

انفجر شاهين ضاحكًا حتى مال بجسده إلى الخلف، ثم صاح وهو يضرب المقود بكفه:
أحااا! ولا تشوف ولا هو يشوف؟!
أمال مين اللي هيشوف؟

أشار ياسين بيده ببساطة، وكأن الإجابة بديهية، وقال: زكريا.

شهق يونس وكأنه تلقى إهانة شخصية، ثم هدر بصوت مرتفع:
اخخخخخ… أحااا! بعد ما تطلع عيني عشان أخدها… يطلع زكريا هو اللي يشوف؟!

هز ياسين رأسه بمنتهى الجدية المصطنعة، وقال: آه… ما هم مش هيولدوا نفسهم.

ثم عدل جلسته، وأكمل وهو يعد على أصابعه:
شوف إنت بقى… تطلع عين أمك في شقة، ومهر، وعفش، وطقم جيلي، وطقم كاسات، وأوضة نوم، وسفرة، وخمستاشر ولا عشرين جرام دهب… وبعد كام شهر الست تطلق، وتاخد كل حاجة… حتى طقم الجيلي… وتسيبك واقف باللباس.

ثم التفت إلى يونس وسأله ببراءة قاتلة:
صح يا يونس؟

استدار إليه يونس ببطء، وكانت نظراته كفيلة بإسكات حي كامل، ثم لكزه بقوة في كتفه وهدر:
اتلم يا خو…!

ضحك ياسين وهو يفرك كتفه، ثم رفع يديه مستسلمًا وقال بمرح:
خلاص… اتلمينا….يلا بينا ناخده لزكريا… يولده… أقصد يعالجه.

ضحك شاهين مرة أخرى، وقال وهو يهز رأسه:

ـ أهو يشوفله حاجة جديدة تكسر العسل اللي عايش فيه… أحسن الواد يجيله السكر من كتر الدلع.

ضحك الثلاثة بصوت واحد…

وانطلقت السيارة تشق عتمة الليل كالسهم.

ورغم رائحة الدم التي ملأت المقاعد، ورغم أن عزيز ما زال فاقدًا للوعي…

كانت ضحكاتهم تسبقهم في الطريق، تتناثر في ظلمة الليل كنجوم صغيرة، تصر على أن تلمع حتى بعد أقسى المعارك.

ساد الصمت للحظات..
ولم يسمع سوى وقع خطواتهم الثقيلة وهي تخترق سكون الليل…

توقفت سيارة شاهين أمام المنزل بعنف، فانطفأ هدير المحرك، بينما ظل التوتر مشتعل داخل الصدور كجمرة لم يخمدها شيء…

التفت شاهين إلى الرجال، وعيناه لا تزالان معلقتين بجسد عزيز الممدد في المقعد الخلفي، ثم قال بصوت حاسم لا يحتمل النقاش:
أنا وياسين هنشيل عزيز وندخله الأوضة اللي تحت… وانت يا يونس اطلع هات زكريا بسرعة…

أومأ يونس برأسه دون أن يضيع ثانية، ثم ترجل من السيارة واندفع يعدو نحو الداخل، يصعد الدرج درجتين درجتين، وقد تملكه القلق.

في المقابل، فتح شاهين الباب الخلفي، ودار حول السيارة بخطوات سريعة، بينما نزل ياسين من الجهة الأخرى.

انحنى الاثنان في الوقت نفسه، ثم رفعا جسد عزيز بحذر شديد…

تدلت ذراعه بلا حول، ومال رأسه إلى الخلف، فيما كانت آثار الدماء والجروح تلطخ ثيابه وتمتد حتى ساعديه.

قبض شاهين على كتفه بقوة حتى لا يهتز الجسد بين أيديهما، وهمس من بين أسنانه:
استحمل يا عزيز… وصلنا.

لم يأتي أي رد…

حتى أن أنفاس عزيز كانت بالكاد تسمع.
تبادل شاهين وياسين نظرة خاطفة، حملت من الخوف أكثر مما حملت من الكلمات، ثم أسرعا به نحو باب المنزل…

كان أحمد وسعد يسيران خلفهما بخطوات متلاحقة، وكل منهما يراقب المكان بعين يقظة…

بينما أغلق سعد الباب خلفهم فور دخولهم، لتبتلع جدران المنزل ضجيج الخارج، ويبقى في الداخل سباق صامت مع الوقت… قبل أن يخذلهم جسد عزيز المنهك.
………………
في اليوم التالي…

داخل عيادة الدكتور فتحي المغربي…

خيم على صالة الانتظار صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار، وصفير أجهزة التكييف الخافت.

جلس يونس على أحد المقاعد الحديدية، منحني قليلًا إلى الأمام، يقبض على ظرف التحاليل بين كفيه بكلتا يديه، حتى ابيضت مفاصل أصابعه من شدة الضغط.

لم يكن يراه مجرد ظرف ورقي…

بل كان يشعر أن بين يديه مصير طفلته الصغيرة، وأن تلك الأوراق الخفيفة قد صارت أثقل من جبل جثم فوق صدره، يسحق أنفاسه ببطء.

إلى جواره، احتضنت نرجس ابنتها تاليا بقوة، كأنها تخشى أن يخطفها القدر من بين ذراعيها في أي لحظة…

كانت عيناها لا تفارقان الظرف، وقد انعكس فيه كل خوفها، بينما ابتلعت غصة مؤلمة استقرت في حلقها، ثم همست بصوت مرتجف:
هو دكتور المعمل قالك حاجة يا يونس؟

ظل يونس محدق في الظرف لثواني قبل أن يهز رأسه بالنفي، ثم قال بصوت متحشرج أثقله القلق:
لا… قالي الدكتور هو اللي هيفهمكم…

ساد الصمت من جديد…

صمت خانق، حتى أصبح صوت أنفاسهما مسموع..

وفجأة…

انشق ذلك السكون بصوت الممرض وهو ينادي من باب غرفة الكشف: تاليا يونس.

انتفض يونس من مكانه كمن أفاق على صدمة، ثم مد يديه وحمل طفلته برفق من بين أحضان نرجس.

تشبثت الصغيرة بعنقه بعفوية، بينما تبادل الزوجان نظرة قصيرة…

كانت نظرة ممتلئة بالخوف، وبآلاف الأسئلة التي لم يجرؤ أي منهما على نطقها.

تحرك يونس نحو غرفة الكشف بخطوات بطيئة، وكأن كل خطوة تقوده إلى قدر لا يستطيع الفرار منه.

وسارت نرجس خلفه، وقد انعقدت أصابعها بعضها فوق بعض في توتر، بينما كان قلبها يخفق بعنف حتى ظنت أنه سيسبقها إلى الداخل.

وصل يونس إلى الباب، فطرقه طرق خفيف..

جاءهم صوت الطبيب من الداخل هادئ:
اتفضلوا.

فتح يونس الباب، ودلف إلى الغرفة وهو يحمل تاليا بين ذراعيه، تتبعه نرجس، ثم أغلق الباب خلفهما بهدوء…

ليبدأ الفصل الأصعب من حياتهم.

في الداخل…

أشار الطبيب بيده نحو المقعدين أمام مكتبه، وقال بهدوء يغلفه الوقار:
ـ اتفضلوا.

تقدم يونس بخطوات بدت أثقل من أن تحملها قدماه، ثم أومأ إلى نرجس كي تجلس أولًا، قبل أن يستقر على المقعد المقابل للطبيب، حاملاً تاليا فوق ساقيه. أحاطها بذراعيه بحركة لا إرادية، كأنه يخشى أن تنتزعها الحياة من بين يديه في أية لحظة.

رفع عينيه إلى الطبيب، وقال بصوت أثقله القلق: طمنا يا دكتور… الله لا يسيئك.

بادله الطبيب إيماءة هادئة، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها مطمئنة:
إن شاء الله خير يا أستاذ يونس…
فين التحاليل؟

كانت أصابع نرجس ترتجف وهي تمد الظرف إليه، حتى كادت الأوراق تنفلت من يدها، وهمست بصوت خفيض:
اتفضل يا دكتور.

تناول الطبيب الظرف، وأخرج الأوراق واحدة تلو الأخرى، ثم أخذ يقلبها بعينين اعتادتا قراءة نتائج التحاليل… وقراءة ما هو أبعد منها؛ قراءة الخوف المختبئ في وجوه الأهالي، وملامح الصدمة قبل أن تُنطق بها الكلمات.

سادت الغرفة حالة من الصمت الخانق، لم يقطعه سوى خشخشة الأوراق بين أصابع الطبيب.

أما يونس، فكان يهز ساقه بعصبية واضحة، بينما راحت أنامله تربت فوق ظهر طفلته بلا وعي، وكأنه يحاول أن يطمئنها… أو يطمئن نفسه.

ابتلع ريقه بصعوبة، ثم تمتم بصوت خرج مبحوح:
خير يا دكتور… طمني… بنتي فيها إيه؟

توقفت يد الطبيب عن تقليب الأوراق.

رفع رأسه ببطء، واستقرت عيناه على وجه تاليا الصغيرة….أطال النظر إليها لثواني، نظرة امتزج فيها الأسف بالعجز، قبل أن ينقل بصره إلى والديها.

تبادلت عيناه نظرات صامتة مع يونس ونرجس… نظرات فهمها هو جيدًا، بينما كانا يرفضان، بكل ما أوتيا من رجاء، أن يفهما معناها.

أخذ الطبيب نفس عميق، ثم قال بصوت حاول أن يبقيه ثابتًا رغم ثقل ما يحمله:
للأسف… بنتكم عندها… لوكيميا.

ساد الصمت…

ذلك الصمت الثقيل الذي لا يشبه الصمت، بل يشبه انهيار جبل فوق الأرواح.

اتسعت عينا يونس، وتجمدت ملامحه كأن الكلمات اصطدمت بسمعه ولم تجد طريقها إلى عقله.

أما نرجس، فقد حدقت في الطبيب بذهول، تحركت شفتاها أكثر من مرة دون أن يخرج منهما صوت، وكأن لسانها قد انعقد من هول ما سمعت.

لم يكن وقع الاسم مألوف… لكنه كان مخيف بما يكفي ليزرع الرعب في القلب.

ابتلع يونس ريقه بصعوبة، وقال بصوت مبحوح، يكاد يختنق بين ضلوعه:
يعني… يعني إيه لوكيميا يا دكتور؟

تنهد الطبيب ببطء، ثم شبك أصابعه فوق المكتب وقال بهدوء بالغ:
اللوكيميا النخاعية نوع من أنواع سرطان الدم… بيصيب نخاع العظم، المكان المسؤول عن إنتاج خلايا الدم. الخلايا المريضة بتبدأ تتكاثر بشكل غير طبيعي، وبتمنع الجسم من إنتاج الخلايا السليمة بالشكل المطلوب.

شهقت نرجس شهقة مكتومة، ثم وضعت كفها فوق فمها وهي تهز رأسها بعنف:
لا… لا يا دكتور… مستحيل بنتي تروح مني كده يا دكتور….

أطرق الطبيب رأسه لحظة، ثم قال بأسف:
كلنا نتمني ان تاليا تبقي كويسه….
وان شاء الله هتخف….
اهم حاجه نلتزم بالعلاج ..

قبض يونس على جسد تاليا بين ذراعيه حتى كاد يضمها إلى صدره، ونظر إلى الصغيرة التي كانت تعبث بخصلات شعر والدها ببراءة لا تعلم أن مصير كامل قد تبدل في لحظة.

خرج صوته مكسور، مرتجف : صح لازم بنتي… هتخف يا دكتور… صح؟ قولي إنها هتخف.

نظر إليه الطبيب بثبات، ثم قال:
المرض خطير، لكن الطب اتطور بشكل كبير. واللوكيميا النخاعية ليها بروتوكولات علاج معروفة، وفرص الاستجابة بتكون أفضل كل ما بدأنا العلاج بدري…
إحنا محتاجين نتحرك من غير تأخير، وهنعمل فحوصات إضافية عشان نحدد مرحلة المرض ونبدأ العلاج المناسب فورًا.

انسابت دموع نرجس في صمت، بينما انحنت تقبل رأس ابنتها مرات متتالية، وهي تردد بصوت مختنق:
يا رب… يا رب اشفيها… خد من عمري كله واديه لبنتي… بس ما تحرمنيش منها يا رب.

أما يونس… فلم يبكي.

ظل جالس.مكانه كتمثال فقد الحياة، وعيناه معلقتان بوجه طفلته، بينما كان قلبه ينهار في صدره بصمت… انهيار لا يسمعه أحد.
…………….

في منزل المهدي…

دلف شاهين إلى المنزل بخطوات متعجلة، يحمل بين يديه عدة أكياس امتلأت بالأدوية والطعام وبعض المستلزمات الضرورية.

لم يتوقف في الردهة، بل اتجه مباشرة إلى الغرفة التي يرقد فيها عزيز، ثم دفع الباب ودلف سريعًا وهو يهتف:
ها يا زكريا… عزيز فاق؟

رفع زكريا رأسه عن هاتفه، ثم أغلقه ووضعه جانبًا، وأشار إلى عزيز المستلقي على الفراش في نوم عميق.

كان وجهه متورم بصورة مؤلمة، وقد غطت الكدمات الزرقاء والبنفسجية ملامحه، بينما أحاطت الضمادات بجراحه التي لم تزل تنزف ألم وإن توقفت عن نزف الدم.

تنهد زكريا وقال بضيق:
لسه… ولاد الكلب عدموه العافية…
والجرح اللي في جنبه غويط، وكان محتاج يتخيط في مستشفى، بس الحمد لله قدرت أتعامل معاه.

انعقد فك شاهين بقوة، ثم قال بحسم لا يقبل النقاش: مفيش مستشفيات.

صمت لحظة قبل أن يضيف وعيناه تضيقان ببرود قاتل:
المستشفى أول مكان عابدين هيدور فيه. والضربة الجاية أكيد جاية… ولازم نبقى فاتحين عنينا كويس اليومين اللي جايين، لحد ما نجهزله الضربة اللي هتقصم ضهره.

أومأ زكريا بتفهم وقال:
تمام… متقلقش… أنا مش هسيبه لحظة لحد ما يفوق.

ثم تذكر أمر فسأله:
طب… أمه؟ عملت فيها إيه؟

اقترب شاهين وربت على كتفه في هدوء، ثم وضع الأكياس التي يحملها فوق الطاولة المجاورة للفراش وقال بثقة:
متشلش هم… نقلتها مكان محدش في الدنيا هيتوقعه.

وقعت عيناه على عزيز مرة أخرى، ثم أردف:
أول ما يفوق خليه ياكل، وياخد العلاج في معاده.

ابتسم زكريا ابتسامة مطمئنة ولوح بيده قائلًا: حاضر… روح أنت، وأنا معاه.

هز شاهين رأسه بإيجاز، ثم استدار وغادر الغرفة بخطوات سريعة.

خرج إلى الردهة، واتجه نحو السلم، وصعد درجاته الواحدة تلو الأخرى، بينما كان عقله قد بدأ يرسم ملامح المواجهة القادمة…

مواجهة لن يخرج منها أحد كما دخلها…

دلف شاهين إلى شقة والدته وهو يحمل الأكياس بين يديه، ثم هتف بصوته الجهوري: السلام عليكم.

التفتت إليه فوزية، وما إن وقع بصرها عليه حتى عقدت حاجبيها وقالت بحنق مصطنع:
كنت فين يا واد؟ البت من الصبح عمالة تسأل عليك.

في لحظة…

انزلقت الأكياس من يدي شاهين وارتطمت بالأرض، بينما تجمدت ملامحه، واتسعت عيناه بفزع حقيقي، وشحب وجهه حتى كاد يفرغ من دمه.

اندفع خطوة إلى الأمام وهو يهتف بصوت مرتعب :ليه؟! مالها يا أمّا؟! فيه إيه؟

أشارت إليه فوزية بكفها وهي تقول بغيظ مفتعل: استنى يا خويا… دي فيها محن ودلع مرق!

توقف شاهين في مكانه، وأغمض عينيه لحظة، ثم عض شفته بقوة وهو يحاول ابتلاع السباب الذي أوشك أن يفلت من بين أسنانه.

التفت إليها وقال بحنق امتزج براحة غامرة:
إنتي بتهزري يا أما؟! والله قلبي كان هيقف!

تأملته فوزية للحظات، وقد لمحت مقدار الذعر الذي ارتسم على وجهه، فارتخت ملامحها قليلًا، ثم لوحت بيدها وقالت بسخط مصطنع:
وأنا أعمل إيه؟! ما البت من الصبح مفيش على لسانها غير شينو فين؟… أنا عايزة شينو…لما سرعتنا على أبو شينو! دلع نسوان مايع.

قهقه جارحي بوقاره المعتاد وقال وهو يهز رأسه:
سيبيها تتچلع يا خيتي… هو حد يكره الچلع؟ ولا إنتي مكنتيش بتتچلعي على عبد التواب، إياك؟

انفجرت فوزية ضاحكة، وقالت وهي تمسح دموع الضحك من طرف عينها:
هو حد جاب أجله غير الدلع يا خويا؟

تعالت الضحكات في أرجاء الشقة، قبل أن تنظر ثنية إليهما بدهشة وتقول:
ليه يا خيتي؟ جعدتي عليه ولا إيه؟

ضحكت فوزية أكثر، ثم أشارت بيدها قائلة بمكر:
لا يا بت… بس إحنا كان دلعنا له طعم كده… مش زي نسوان اليومين دول.

ثم هزت رأسها وهي تزفر في ادعاء الأسى:
داحنا مكناش نسوان… داحنا كنا فن!

اقترب شاهين وجلس بين فوزية وجارحي، ثم مص شفتيه بحنق مصطنع وقال وهو يهز رأسه:
بس تبقى نسوان يا أما… ودلعها على قلبي زي السمنة على العسل… أنا خلاص قرب يجيلي احتباس لبني… زي احتباس الحرارة كده، سمعتي عنه؟

انفجر الجميع ضاحكين، بينما رمقته فوزية بنظرة غاضبة متصنعة وهتفت:
اه يا قليل الحيا… يا قليل الرباية!

لوح شاهين بيده باعتراض وقال ساخرًا:
هو إنتي ربيتي مين فينا أصلًا يا فوزية؟! إنتي كنتي فاضية غير لعبد التواب ودلع عبد التواب! قصري يا أختي.

تعالت الضحكات مرة أخرى، فضربته فوزية بكوعها في منكبه وهي تتمتم:
يا خايب… قليل الأدب.

ضحك شاهين، ثم التفت إلى جارحي وقال بجدية خفيفة:
بقولك يا خال… سمعت إنك ماشي النهارده؟

أومأ جارحي برأسه وقال:
أيوه يا ولدي… يدوب نتوكل إكمن الظروف هنا واتأخرنا جوي على حالنا في البلد.

هز شاهين رأسه بتفهم، وربت على ساقه قائلًا:
ربنا يقومكم بالسلامة… أنا بس عايز منك تخلي عينك على أنين، ولو احتاجت أي حاجة…

وقبل أن يكمل جملته…

شق الهدوء صوت ياسين وهو يقتحم الشقة كالإعصار، وقد اتسعت عيناه في صدمة مفتعلة:
يا خاين! يا واطي! كده عيني عينك بتخطب البت اللي هي حيلتي؟!
دانا هجيبك تلات نصاص يا ابن فوزية!

انفجرت الضحكات في أرجاء المكان، بينما وقف شاهين يحدق فيه باستغراب، وقال:
إيه يابني؟! إنت داخل على خناقة ولا عزومة؟

أشار ياسين إلى شاهين بإصبع مرتجف وهدر:
إنتو بتضحكوا على إيه؟! فرحانين وهو بيخطب التانية؟! مش لما يفلح في الأولى الأول؟! ولا هو داخل بيهم جمعية؟!

نظر إليه جارحي بدهشة، ثم عقد حاجبيه وقال:
وانت كنت خطبتها من ورايا ولا إيه يا ولد أختي؟

أومأ ياسين برأسه بمنتهى الجدية، وكأنه يعلن حقيقة لا تقبل النقاش، وقال:
لا… أنا بقول قدامك أهو… إنت بس ارجع البلد، وهتلاقيني في قفاك على طول.

ثم صفق بكفيه في مرح وأضاف:

  • كده علي طول … أنا مش هطلبها منك هنا… أختك قالتلي كده الراجل اللي يعرف الأصول يستنى لحد ما يدخل البيت من بابه.

نهض شاهين فجأة، وأشار إلى نفسه وهو يهتف بحنق:
مش لما أدخل أنا الأول وحياة أمك!

رفع ياسين حاجب بمكر، ثم قال وهو يهز كتفيه:
وأنا ذنبي إيه إنك فقري؟! تطلع من نقرة تقع في دحديرة! أقولك… ادخل على غفلة يا شاهين، يمكن ربنا يكرمك، بدل ما إنت واقف بتاخد دور الانتظار.

ضيق شاهين عينيه واقترب منه خطوة، وقال بنبرة ممتلئة بالغيظ المصطنع:
تصدق؟ أنا الغلطان… كنت لسه هعمل معاك واجب رجولة، وكنت هقول لخالك يخلي أنين تقعد عندنا كام يوم تمرض حور، عشان أنا مش مطمن أجيب حد من بره… لكن واضح إنك واطي، ومتستاهلش.

اتسعت عينا ياسين فجأة، وكأن صاعقة هبطت فوق رأسه.

وفي اللحظة التالية اندفع نحوه، واحتضنه بقوة حتى كاد يخنقه، وهو يهتف بحماس:
حبيبي يا شينو! ربنا يشفيهالك يا رب، ويخليهالك، ويفرج عن لبنك يا أخويا… يا ابن المهدي!

دوى انفجار من الضحك داخل الشقة.

بينما دفعه شاهين بعيدًا وهو يضحك رغم عنه، وقال:
دلوقتي بقيت أخوك وابن المهدي؟! طب غور من وشي يا بعيد.

مسح ياسين صدره بكفه وقال بتأثر ساخر:
الأخ وقت المصلحة يا معلم… واللي يقول غير كده يبقى كداب.

نهض جارحي وهو يضحك حتى دمعت عيناه، ثم قال:
زي بعضه يا شاهين… خلي أنين لحد ما مرتك تجوم بالسلامة، وخلي خيتها معاها كمان، يبجوا يونسوا بعض.

أومأ شاهين برأسه وقال بامتنان:
تشكر يا خال… أول ما حور تشد حيلها، هجيبلك أنين بنفسي لحد عندك.

لم يكد ينهي كلماته حتى قفز ياسين للأمام، ووضع يده على صدره وقال بفخر:
أو أنا… أنا اللي هوصلها يا خال..
متقلقش… في إيد أمينة.

نظر إليه جارحي طويلًا، ثم ضرب كف بكف وهو يهز رأسه ضاحكًا وقال:
والله ما جلجان غير منك يا فرجع لوز إنت!

تعالت الضحكات الصاخبة مرة أخرى، وامتلأ البيت بدفء افتقدوه منذ أيام…
حتى بدا للحظة أن الحرب بكل ما فيها من دم ونار قد توقفت خارج هذا المنزل، احترامًا لهذه الضحكات التي أعادت للحياة طعمها.

تحرك شاهين صاعد الدرج بخطوات سريعة، لا يكاد يلامس الأرض من فرط لهفته.

فتح باب الشقة على عجل، ثم أغلقه خلفه، واتجه مباشرة نحو غرفة النوم.

رفع يده وطرق الباب طرقات خفيفة، وما إن سمع صوت شموع يأذن له بالدخول، حتى دفع الباب برفق.

دلف إلى الداخل، لكن عينيه لم تريا أحد…

كانتا تبحثان عنها وحدها.

وما إن وقعت عيناه على حور، حتى تبدلت ملامحه كلها، وانفرجت أساريره في ابتسامةٍ عجز عن إخفائها.

أما هي…

فابتسمت عيناها قبل شفتيها، ورفعت يدها إليه في ضعف، ولوحت بأصابعها الصغيرة وهمست من خلف الكمامة، بصوت واهن يحمل كل شوق الدنيا: شينو…

ذاب قلبه بين ضلوعه.

اقترب منها بخطوات هادئة، وانحنى حتى لامست شفتاه جبينها في قبلة حانية، بينما داعبت أنفاسه الدافئة بشرتها الشاحبة، وهمس بحب غامر:
الله على أحلى شينو بسمعها في الدنيا… عاملة إيه يا حور عين شينو النهارده؟

تشبثت بكفه بكل ما بقي لها من قوة، وأضاءت عيناها رغم الإرهاق الذي أثقل ملامحها، وهمست بصوت خافت:
كويسة… بس وحشتني.

ابتسم شاهين ابتسامة امتلأت بالحنان، وأحاط يدها بكفيه كأنه يخشى أن تفلت منه مرة أخرى، وربت عليها بإبهامه في صمت.

تبادلت شموع وأنين نظرة سريعة، ثم نهضتا في هدوء.

قالت انين وهي تتجه نحو الباب:
احنا هنمشي بقى عشان هنرجع البلد.

وقبل أن تفتح الباب، أوقفها صوت شاهين الحاسم: لا… استنوا.

التفتت إليه الاثنتان.
فقال وهو ينظر إلى أنين:
إنتوا هتفضلوا هنا… أنين هتمرض حور… وأنا مش واثق في حد غيرها.

رمشت أنين بدهشة، وقالت: وأبويا وافق؟

أومأ شاهين برأسه مطمئن:
أمال… أنا كلمته، ووافق… وكمان قال إن شموع تفضل معاكي لحد ما حور تقوم بالسلامة.

شهقت شموع في اعتراض، وعقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بحنق:
وأنا هفضل معاها أحرسها من البعبع ولا إيه؟! أنا عندي جامعة، منيش فاضية!

أشار إليها شاهين بإصبعه محذر، وقال بلهجة لا تحتمل الجدال:
أبوكي عايز كده… يبقى كده…
والجامعة متشليش همها، يونس هيوصلك كل يوم ويرجعك.

لوت شموع شفتيها في امتعاض، وتمتمت وهي تهز رأسها:
يونس؟! دي حاجة أف بجد!

استدارت وغادرت الغرفة بخطوات سريعة، بينما لحقت بها أنين وهي تبتسم في خفوت.

تعالت ضحكة شاهين من خلفهما، ثم صاح مازح:
انفخي يا بت… انفخي! وحياة أمي لأخليه ينفخك هو كمان!

وصل صوته إليهما في الممر، فازداد تذمر شموع، بينما ضحكت أنين بصوت خافت، وارتد صدى الضحكات داخل المنزل، كأنها تطرد آخر ما تبقى من رهبة الأيام الماضية.

ارتسمت على شفتي حور ابتسامة واهنة امتزجت بخجل رقيق، ثم رفعت الكمامة قليلًا عن وجهها وهمست بصوت يكاد يذوب من الضعف: شينو…

التفت إليها شاهين على الفور، وكأن العالم كله توقف عند تلك الكلمة…

وابتسم بعشق أغرق ملامحه، ثم قال وهو يربت على كفها:
عيون شينو… قوليلي بقى، عملتي إيه في الشوية اللي غبتهم عنك دول؟

هزت رأسها ببطء، وأجابت بصوت خافت:
ولا حاجة… بس كنت عايزة أشوفك عشان وحشتني… وكمان كنت عايزة ماما.

أخذ يدها بين كفيه، وطبع قبلة دافئة على باطنها، ثم رفعها إلى شفتيه مرة أخرى
وهمس بحنان أبوي امتزج بعشق الزوج:
اهدي… واتكلمي براحة… كام كلمة صغيرين وأنا هفهم الباقي من عيونك… عايزة ماما ليه يا بابا؟

خفضت بصرها في حياء شديد، حتى كادت تختبئ داخل الوسادة، ثم تمتمت بصوت بالكاد يسمع:
عايزة ماما تساعدني آخد دش… حاسة إن لسه فيا ريحة المستشفى.

رفع شاهين أحد حاجبيه في حنق مصطنع، وأمسك يدها يقبل ظاهرها عدة مرات متتالية، ثم قال مدعي الضيق:
وماما ليه يا حبيبي؟ هو أنا مش جوزك؟ وبعدين… أنا حميتك قبل كده.

رفعت إليه عينيها فجأة، واتسعتا في دهشة ممزوجة بخجل عذب، وهمست باستغراب:
حميتني إمتى؟

انفجر شاهين ضاحكًا، وقد أذابته ملامحها البريئة، خاصة حين رأى الحمرة التي غمرت وجنتيها حتى أطراف أذنيها، وقال وهو يحاول كتم ضحكته:
وانتي نونو… عندك أربع سنين. ساعتها كنتي بهدومك الداخلية… بس المرة دي من غير بقي…

شهقت حور بخجل، وأسرعت تهز رأسها بالنفي، وهمست وهي تغطي نصف وجهها بكفيها:
لا… لا… مينفعش.

اقترب منها قليلًا، وانخفض بصوته حتى صار همس دافئ، وقال وهو ينظر في عينيها مباشرة:
ليه بس مينفعش؟ على فكرة… إحنا متجوزين يا حور، والدنيا كلها عارفة إنك مراتي. والجواز أصله الإشهار والإيجاب والقبول… وإحنا بقينا لبعض.

ساد الصمت لحظة، ثم تنهد وهو يشيح ببصره قليلًا، وأكمل بصوت خافت أثقلته الذكريات:
وكده كده… بعد اللي حصل… أنا مش هعمل فرح… بقيت بخاف من الفرح يا حبيبي… بخاف أفرح، فييجي القدر ياخد الفرح من بين إيديا.

ارتجفت ملامح حور، وأمسكت يده بكلتا يديها، ثم همست بحزن:
وأنا كمان بقيت بخاف يا شينو…

سكتت لحظة، قبل أن تشرق عيناها بحلم صغير قاوم كل ذلك الألم، وقالت بصوت طفولي رقيق:
بس… برضو نفسي ألبس الفستان الأبيض… زي كل البنات.

ابتسمت ابتسامة حزينة، وأردفت وهي تستعيد ذكرى بعيدة:
وأنا صغيرة… كنت كل شوية أستخبى وألبس فستان ماما… وأقف قدام المراية وأتخيل نفسي عروسة… بحب الفستان الأبيض أوي…

أومأ شاهين برأسه مؤكدًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة امتلأت يقين، ثم قال برقة:
هتلبسيه طبعًا يا عمر شينو…
وهتبقي أحلى من القمر بالفستان الأبيض. وهعملك اليوم اللي بتحلمي بيه…
وبعدها هنسافر على طول….
إحنا كده كده متجوزين…
عشان كده مفيش مشكله إني احميكي… عشان لو وقفتي علي شعر راسك…
مش هخليكي تتكشفي حتي علي أمك… طول ما موجود ….
وكمان اوعدك إني مش هدخل عليكي غير وإنتي لابسه فستان الأبيض…

ازدادت حمرة وجنتيها، وعضت شفتها في حياء، ثم أومأت برأسها وهمست بخفوت:

طيب… هتعرف تحميني يا شينو؟

ابتسم شاهين بعشق، ونهض من جوارها، ثم انحنى يسحب الغطاء عنها برفق شديد، وهو يمازحها ليخفف عنها رهبة المرض:
ده أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان…
إنتي لو كنت ماسكه نفسك شويا…
كنت حميتك مايه ملحوسه عسل..
مغمس باللبن..
بس انتي دلوقتي تعبانة…
وكل همي إنك ترتاحي وتبقي كويسة…

قطبت حاجبيها في دهشة، وقالت وهي تبتسم ابتسامة خجولة:
كده نلزق يا حبيبي.

ضحك شاهين ضحكة ملأت الغرفة دفئ، ثم انحنى يحملها بين ذراعيه بمنتهى الحذر، كأنها قطعة من البلور يخشى عليها من النسيم، وقال وهو يتجه بها نحو الحمام:
بكره تعرفي أنه احلي تلزيق يا بت..

دفَع الباب بقدمه برفق حتى أُغلق خلفهما، بينما ظل صدى ضحكتهما الخافتة يبدد شيئًا من قسوة الأيام التي مرّت بهما.

تحرك شاهين نحو الرخامة، وأنزل حور فوقها برفق بالغ، ثم مال عليها وهمس بحنان:دقيقة واحدة يا قلبي.

أومأت برأسها في خجل، بينما اتجه هو إلى حوض الاستحمام، وضبط حرارة الماء حتى صارت دافئة، ثم أفرغ مقدار من سائل الاستحمام، وما هي إلا لحظات حتى بدأت الرغوة البيضاء تتراقص فوق سطح الماء.

عاد إليها بخطوات هادئة، وطبع قبلة رقيقة فوق رأسها، ثم أخذ يفك أزرار منامتها بأصابع غاية في الرفق.

شهقت حور بخجل، وأمسكت معصمه بكلتا يديها، وهمست بصوت مرتجف:
ا… استنى… ط طيب سيبني… أنا هقدر أستحمى لـ لوحدي… إنت جبتني لحد هنا… ومليت البانيو…كـ كفاية كده.

ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، ولم يتوقف، بل ظل يطمئنها بنبرة دافئة:
مفيش الكلام ده يا حبيبتي… انتي لسه تعبانة، وحتى نفسك بيطلع بالعافية… أسيبك لوحدك وتقعي ولا يحصلك حاجة؟ ساعتها أموت فيها…

اتسعت عيناها، ووضعت كفها سريعًا فوق فمه، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وهمست:
بعد الشر عليك… أوعى تقول كده تاني.

أمسك يدها برفق، وأنزلها عن شفتيه، ثم قبل باطن كفها قبلة طويلة امتلأت امتنان وعشق،

قبل أن يضمها إلى صدره في حضن مطمئن، يبدد ارتجافها قبل أن يبدد خوفها.

وبدا ينزع ملابسها قطعه تلو الأخرى برفق موجع …

شهقت حور بخجل وهي تخفي وجهها بالكامل في عنقه، وأنفاسها المتسارعة تلامس بشرته، بينما ارتجف جسدها الصغير من شدة الحياء،

ولم يكن شاهين يزيدها إلا طمأنينة، يحرص في كل حركة أن يصون خجلها قبل أن يعتني بمرضها.

وحين انتهى من نزع ملابسها كامله، حملها بين ذراعيه كما يحمل أثمن ما يملك، واتجه بها إلى حوض الاستحمام.

دلف إلى الماء بملابسه كاملة، غير عابئ بما ابتل منها، ثم جلس في هدوء، محتضن إياها بين ذراعيه حتى لا تضطر إلى بذل أي مجهود.

انكمشت حور في حياء، تضم ساقيها إلى صدرها، وتتشبث به كأن وجوده وحده هو الأمان..

بينما ظل شاهين يلف ذراعيه حولها بحماية صامتة، تاركًا للماء الدافئ أن يخفف عنها آثار التعب، ولحضوره أن يطفئ ما تبقى في قلبها من خوف.

نظر إليها شاهين بعينين غائرتين في قلق بالغ، كأنما يقرأ في وجهها اضطراب خفي لا يطيقه….

مد كفه فربت على ظهرها بحنان دافئ يتسلل تحت الجلد، وهمس بصوت خفيض يلامس أذنها:
مالك يا عمري، انتي تعبتي ولا إيه؟
حاسة بإيه؟

هزت رأسها نفي، وهي تكاد تذوب خجل تحت نظرته، وهمست بصوت يكاد يختفي:
لا… أنا مكسوفة أوي منك يا شاهين.

ابتسم شاهين ابتسامة مفعمة بالحب، ومد يده ففك ذراعيها بلطف شديد،

ثم مرر كفه على ساقيها ففرقهما بحنو هادئ، كأنه يفتح باب طال إغلاقه…
اقترب من أذنها وهمس بحنو :
انتي عارفة يعني إيه جوزك يا حور؟

عضت شفتها السفلى بخجل عميق، ونكست رأسها حتى كادت جبهتها تلامس صدره، وهمست متلعثمة: عـ… عارفة.

ابتسم وهو يمرر يده على بطنها الصغير الناعم، ثم سحبها برفق حتى استرخت تمامًا على صدره العريض… همس في أذنها بصوت دافئ يقطر حنان:
جوزك يعني أنا الوحيد اللي سترك وغطاكي… يعني مفيش بينا كسوف ولا حرج من أي نوع… كأننا واحد مش اتنين.

أغمضت حور عينيها، وتنفست ببطء شديد، وهي تشعر بالقلق والخجل يتسربان منها قطرة قطرة، كأن دفء صدره يذيب الجليد الذي كان يغلفها.

التقط شاهين عبوة الشامبو، وأفرغ القليل على كفه، ثم بدأ يدلك شعرها بحنو متأني، أصابعه تغوص في خصلاته المبتلة وهمس في أذنها:
يعني لو أنا ، وأبوكي ، وأمك …
واقفين واتعريتي… تستري فيا وبيا أنا…

فتح الماء الدافئ ليزيل الرغوة عن شعرها بحنان شديد، وقال بصوت واثق هادئ:
جوزك يعني من حقي أشوف كل حتة فيكي… وإنتي كمان الوحيدة اللي من حقها أنكشف عليها وتشوفي كل حتة فيا.

عضت شفتها بخجل أشد، وتمسكت بحافة الحوض حين انحنى على منكبها وقبله بحنو عابث، وامتص بشرتها برفق لاهي، وهمس في أذنها بصوت يقطر رغبة مكتومة:
كل حتة يا حور… وأبوسها وامصها كمان.

شهقت حور بخجل حاد، واتسعت عيناها وهي تحاول التملص منه همس مبحوح مرتجف :شينو… لالاا…

حاوط شاهين خصرها بذراعيه القويتين وضمها إلى صدره بقوة لينة، وهمس بصوت مبحوح يقطر رغبة صريحة:
شينو إيه يا بت؟ مينفعش شينو ييجي وراها لا…

انحبست أنفاسها للحظات، وارتفع صدرها وانخفض بتوتر واضح، خليط من الخجل والإرهاق بعد أيام قاسية لم تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها.

لاحظ شاهين اضطرابها فورًا، فاختفت من عينيه أي لمحة عبث، وحل مكانها خوفه المعتاد عليها. اقترب منها ووضع يده فوق صدرها يستشعر دقات قلبها السريعة، يطمئنها قبل أن يطمئن نفسه.

همس بصوت دافئ:
اهدي يا حور عيني… قلبك سريع أوي، خدي نفسك براحة… أنا هنا.

أومأت برأسها وهي تحاول تهدئة ارتباكها، وهمست بصوت ضعيف: كـ كفاية يا شينو…

فهم من نبرتها أنها تحتاج فقط إلى الراحة، فأومأ برأسه ونهض بهدوء وخرج من الحوض…

أخذ منشفة كبيرة، واقترب منها بحذر، ثم ساعدها على الخروج، ولفها بالمنشفة بعناية وكأنها شيء يخشى أن يؤذيه.

ثم لف منشفة أخرى حول شعرها المبلل، وقال بصوته الأجش الحنون:
استني دقيقة يا قلبي… هفصل التكيف وارجعلك…

أومأت له، وظلت تتابعه بعينيها حتى خرج إلي الغرفة.

لم تمر سوى لحظات حتى عاد إليها، وضمها بحنان، ثم حملها برفق إلى الغرفة ووضعها على السرير.

ابتسم وهو يطمئن عليها وقال:
حمام الهنا يا حبيبي… وعقبال حمام الصباحيه…. بس نبقي نستحما سوا ….
مش تستحمي انتي بس زي النهارده..

سحبت حور الغطاء حولها، وما زال جسدها يرتجف من التعب، وهمست:
عايزة أنام يا شينو… جسمي تعبان.

تحرك شاهين فورًا دون تردد، وكأن راحتها أمر لا يحتمل التأجيل…

تحرك الي غرفه الملابس وأحضر لها ملابسها، سحب الغطاء من فوقها برفق حاني …

ثم بدأ بهدوء يساعدها  ترتدي ملابسها حتى أصبحت دافئة ومستريحة، ثم أعاد الغطاء حولها بعناية.

جلس بجوارها، وأمسك المشط وبدأ يمشط شعرها برفق، بحركات هادئة تحمل حب أكثر من الكلمات.

ابتسم وهمس:
هنزل أجيبلك شوربة… أكيد جعانة بعد التعب ده كله.

ابتسمت بوهن وأومأت برأسها:
شوية يعني يا شينو.

ضحك بخفة، ثم جذبها إليه وقبل رأسها بحنان شديد.
بحبك أوي يا روح قلب شينو…
وربنا ما يحرمني منك أبدًا.

……………

في اليوم التالي…

في مكتب النائب العام…

جلس عابدين أمام وكيل النيابة، يحاول أن يحافظ على رباطة جأشه رغم التوتر الذي بدأ يتسلل إلى عينيه.

رفع وكيل النيابة الملف أمامه، وقلب بعض الأوراق قبل أن يرفع نظره إليه وقال بحدة:
يعني إنت عايز تفهمني إن اللحمة الفاسدة اللي لقيناها في مخازنك مش بتاعتك؟

ظل عابدين صامت للحظات، ثم رفع رأسه بثقة مصطنعة وقال:
لا يا باشا… مش بتاعتي… حد دخلها عندي عشان يلبسني القضية.

ضيق وكيل النيابة عينيه وقال باستنكار:
حد دخلها عندك؟ يعني عايز تقول إن مخازنك مفتوحة لأي حد يدخل ويحط فيها اللي هو عايزه؟

ابتسم عابدين ابتسامة خفيفة وقال:
أنا رجل أعمال كبير يا باشا، وعندي أعداء كتير… واللي حصل ده مدبر.

مال وكيل النيابة للأمام وقال:
ومين بقى اللي عمل كده؟

وقبل أن يجيب عابدين…
انفتح الباب فجأة، ودخل رجل يبدو عليه الارتباك والخوف.

التفت الجميع إليه، وقال بصوت مرتجف:
أنا يا باشا…

سكت لحظة، ثم أخذ نفس عميق وتابع:
أنا اللي دخلت اللحمة المخزن.

اتسعت عينا عابدين بدهشة، والتفت إليه بسرعة وكأن الأرض تحركت من تحته.

أما وكيل النيابة فحدق في الرجل وقال بصرامة:
اسمك إيه؟ وإنت مين بالظبط؟

خفض الرجل رأسه بتوتر

ووووووووووووووو

ساحاره القلم ساره احمد

4.1 106 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
124 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Nedaa
Nedaa
15 ساعة

تسلم الايادي اكيد راح يكون تحفة❤️❤️

Marwa
Marwa
15 ساعة

تسلم ايدك ياقمر

Samar
Samar
15 ساعة

تسلمي ي مبدعه 😍

Salma Mohamed
Salma Mohamed
15 ساعة

تسلم ايدك ❤️

ضيف
ضيف
15 ساعة

تحفه

ضيف
ضيف
15 ساعة

البارت خطير كالعاده

ضيف
ضيف
15 ساعة

تحفه كالعادة ياسووو

مريم بشرى
مريم بشرى
14 ساعة

الله عليكى وعلى جمالك بجد تسلم ايدك روعه 💖💖💖💖💖

لووووووو
لووووووو
14 ساعة

تسلم الأيادي

nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
14 ساعة

اكيد رائع ياقلبي

nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
14 ساعة

تسلمي وتسلم ايدك

Shimooo
Shimooo
14 ساعة

تحفه اوي تسلم ايدك ياسو ❤️❤️❤️❤️

nouran
nouran
14 ساعة

تحفة تسلم ايدك يا قلبي ❤️

ضيف
ضيف
14 ساعة

تسلم ايدك تحفه بجد

ضيف
ضيف
14 ساعة

ولا اروع 💗💗

Ethar Ahmed
Ethar Ahmed
14 ساعة

تسلم ايدك يا قلبى😙

Hanan Mahmoud
Hanan Mahmoud
14 ساعة

الفصل جامد جمدان روعه تسلم ايديكي يا سوسو ♥️ ♥️♥️

ضيف
ضيف
14 ساعة

😍😍😍

جيرمو
جيرمو
14 ساعة

يا قفلاتك يا سارة

Princess soma
Princess soma
14 ساعة

تحفة روعة

Aya Sayed
Aya Sayed
14 ساعة

القفلة حوار

hayat
hayat
14 ساعة

ابدعتي تسلم ايديكي 🌹🌹

ضيف
ضيف
14 ساعة

تحفه كالعاده تسلم ايدك

ضيف
ضيف
14 ساعة

تحفه ❤️.بس بجد صعبان عليا شينو ..لأن حور بتتعب بسرعه من اي مشاعر قويه

An a Shosho
An a Shosho
14 ساعة

الفصل حلو اوي
تسلم ايدك ياحبيبتي

ام مريم
ام مريم
14 ساعة

تسلم ايدك ياقلبي بارت جمداااااااااان

نور عبد العزيز
نور عبد العزيز
14 ساعة

تسلم ايدك يا عمري على البارت الجامد ده ❤️❤️❤️❤️

dolly
dolly
14 ساعة

تسلم ايدك حبيبتى تحفه 💓💓💓💓💓💓

ضيف
ضيف
13 ساعة

بلاش تأخير حبيبتي

ام علي روعة مبروك يا امير عقبال متحمسين وجعت قلبي
ام علي روعة مبروك يا امير عقبال متحمسين وجعت قلبي
13 ساعة

روعة تسلم ايدك

Lolo saleh
Lolo saleh
13 ساعة

جمال ليس له مثيل

ضيف
ضيف
13 ساعة

مبدعه يا حبيبتى تسلم ايدك

Sama
Sama
13 ساعة

تسلم ايدك ي حبيبتي ❤️❤️❤️❤️

ضيف
ضيف
13 ساعة

تحياتي ليكي حبيبتي ❤️

ضيف
ضيف
13 ساعة

ممتازه ياقلبي

ضيف
ضيف
13 ساعة

ررروووعاتك دووومتي مبدعه يا جميل

Farah Rezk
Farah Rezk
13 ساعة

البارت تحفه تسلم ايدك

Farah Rezk
Farah Rezk
12 ساعة

الجمال عدي الكلام 😘 😘 😘

ضيف
ضيف
12 ساعة

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤❤

ضيف
ضيف
12 ساعة

عظمه ياحبيبتي🥰💋💋💋

ضيف
ضيف
12 ساعة

تسلم ايدك يا ساره ايه الجمال ده بارتي هايل

Hadeer
Hadeer
12 ساعة

تحفهه اكيد سميح هو اللى هيعترف ع نفسوا

سحر الحلوس
سحر الحلوس
12 ساعة

بجد اكتر من رووووووووووعه تسلمى ❤️❤️❤️🌷🌷🌷

Ana mamet sajid
Ana mamet sajid
12 ساعة

تسلم ايدك يا سو ❤️❤️ البارت جميل جدا ورائع جداً جداً ❤️❤️

ايمان عبده
ايمان عبده
11 ساعة

تحفه بجد تسلم إيدك

اميره
اميره
11 ساعة

ابداااااع

ضيف
ضيف
11 ساعة

تسلم ايدك يا قمر على مجهودك الرائع وإبداعك المميز

Bata
Bata
11 ساعة

البارت جااااااااااااااامد

ضيف
ضيف
11 ساعة

هايل هايل يا استاذه

ضيف
ضيف
11 ساعة

و بعدين في السسبنس ده تحفة يا ساسو👏👏👏👏