ملكي وكفي ( الفصل العشرون)
هناك لحظات لا تُغيّر مصير الإنسان فحسب، بل تُعيد تشكيل روحه من جديد.
حين تتزاحم الصدمات في ليلةٍ واحدة، يصبح القلب ساحةً لحروبٍ لا يراها أحد، ويغدو البقاء نفسه معركةً لا تقل قسوة عن الموت.
حقائق ظلت مدفونة لسنوات خرجت إلى النور، ودماء سالت فوق الطرقات، وأرواحٌ وقفت على حافة الفقد، بينما كان الحب يحاول عبثًا أن يحمي أصحابه من قدرٍ لا يعرف الرحمة.
وفي خضم ذلك كله… أدرك الجميع أن بعض الأسرار إذا انكشفت، لا تهدم الماضي وحده، بل تمتد لتزلزل الحاضر، وتسرق من المستقبل ما لم يولد بعد.
توقفت سيارة ياسين أمام مدخل منزل المهدي،
فأطفأ المحرك، ثم استدار نحو أنين التي كانت تجلس إلى جواره، وما إن التقت عيناه بعينيها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة.
ترجل أولًا من السيارة، ثم دار حولها بخطوات هادئة، وفتح الباب المقابل لها، قبل أن يمد يده إليها وهو يغمغم بحنان: تعالي يا قلبي.
رفعت أنين عينيها إليه لوهلة، ثم سرعان ما نكستهما بخجل، وقد اكتست وجنتاها بحمرة رقيقة زادتها جمالًا.
مدت يدها نحوه وكأنها ستستجيب له، لكنها بدلاً من ذلك لطمت كفه لطمة خفيفة، وهمست بخجل ممزوج بالمشاكسة: لم يدك… أحسنلك يا ياسين.
ثم سحبت يدها سريعًا، وترجلت من السيارة، وانطلقت نحو باب المنزل بخطوات متعجلة.
ظل ياسين ينظر إلى كفه الملطوم لحظة، ثم انفجر ضاحكًا، ورفعها إلى شفتيه يقبلها وهو يهتف بعشق ظاهر:
حتى الضربة منك طعمها حلو يا بت الخال.
ابتسم لنفسه، ثم أسرع يلحق بها.
وما إن وضعت أنين قدمها على أولى درجات السلم، حتى امتدت يد ياسين تقبض برفق على معصمها، فأوقفتها مكانها.
استدارت إليه بدهشة، لتجده قد اقترب منها حتى صار الفاصل بينهما لا يتجاوز أنفاسًا قليلة، ثم مال نحو أذنها وهمس بصوت عابث: عقبال ما أدوقك تلطيشي..
اتسعت عيناها، ثم رفعت سبابتها أمام وجهه في حركة تحمل تحذير ناعم ، وقالت بصوتها الرقيق حد الألم :
عارف… لو مديت يدك عليا..
أنا هجول لأبوي يا ياسين…
عض ياسين شفته السفلى وهو يكتم ضحكته، ثم رفع يديه عاليًا باستسلام مصطنع وقال:
لا… متخافيش، والله ما همد إيدي أبدًا.
ضيقت عينيها في شك، ثم لكزته بخفة في صدره وهي تتمتم بنبرة يغلب عليها الخجل:
أوعك… هترفصني كيف الحمار… إياك.
ساد الصمت لثانية…
ثم انفجر ياسين في وصلة ضحك عالية، حتى اضطر أن يمسك ببطنه من شدتها، وهو يهتف بين ضحكاته:
احااا… دانتي ميح خالص يا بت!
دانتي كده هتشقيني معاكي!
ازدادت حمرة وجه أنين، فضربته في كتفه بخفة وهي تتمتم بحرج: بطل ضحك… حد يسمعك.
لكن ياسين لم يستطع التوقف، وظل يضحك وهو ينظر إليها بعينين تلمعان بعشق واضح، كأن براءتها وعفويتها كانتا أجمل ما رآه في ذلك اليوم….
تحركت عينا أنين في كل اتجاه، وهي تحاول عبثًا فك طلاسم كلمات ذلك المعتوه الذي يقف أمامها يبتسم وكأنه نطق بحكمة الزمان، ثم عقدت حاجبيها وقالت ببراءة صادقة:
وبعدين إيه اللي يشجيج يا خوي؟!
عندك المحل بتاعك… اشجي فيه.
اتسعت ابتسامة ياسين، ثم في لمح البصر مد ذراعه، وقبض على خصرها فجأة، وجذبها إلى صدره بقوة جعلتها تصطدم به.
هتف وهو يطالع شفتيها بنظرة مشاكسة:
لااا بقى… أنا هاخد أُطا… يعني هاخد من الشفايف دي. الكلام ده ميتسكتش عليه أبدًا.
شهقت أنين شهقة امتزج فيها الذهول بالرعب، واتسعت عيناها وهي تستعد للصراخ…
لكن كفه العريض سبق صوتها، فأطبق برفق فوق فمها.
قطب حاجبيه فجأة، وتحولت ملامحه من العبث إلى التركيز، وهمس بصوت خافت:
اشش… اسمعي معايا كده…
تجمدت أنين مكانها.
رمشت عدة مرات، ثم كتمت أنفاسها، وأرهفت سمعها…
هناك…صوت خافت…
أنين متقطع، يخرج بصعوبة، كأن صاحبه ينازع الحياة نفسها.
ارتعشت أوصالها، ورفعت عينيها إلى ياسين، ثم أبعدت كفه عن فمها وهمست بصوت مبحوح:
ديه… ديه صوت حد بينازع يا ياسين…
تصلب جسد ياسين فجأة.
التفت ببطء نحو باب غرفة عزيز، وشحب وجهه بصورة مخيفة.
ولم يمنح نفسه ثانية أخرى للتفكير…
بل اندفع كالإعصار، وصرخ بصوت هز أرجاء المنزل:
عــــــــــزيــــــــــز!
دفع باب الغرفة بعنف حتى ارتطم بالحائط…
وفي اللحظة التالية…
تجمد هو وأنين خلفه.
اتسعت أعينهما إلى أقصى حد، وانحبست الأنفاس داخل صدريهما.
كان عزيز ممدد فوق السرير…
وجسده غارق في الدماء.
اللون الأحمر غطى الملاءة البيضاء، وانساب من حافة السرير إلى الأرض في خيوط مرعبة، بينما كان صدره يرتفع ويهبط بصعوبة، وكأن كل نفس ينتزعه انتزاع من بين أنياب الموت.
اندفع ياسين إليه بجنون، وركع بجواره وهو يهتف بصوت متحشرج مزقه الذعر:
عزييييز!… مين اللي عمل فيك كده؟!
لم يستطع عزيز الإجابة.
خرج من بين شفتيه أنين ضعيف بالكاد يسمع، بينما أخذ جسده يرتجف من شدة النزف.
ركضت أنين نحوهما، ويدها ترتعش بعنف، ثم رفعت طرف قميص عزيز الملطخ بالدماء.
وما إن وقع بصرها على الجرح الغائر حتى شهقت بفزع، وصاحت بصوت مرتجف:
دمه هيتصفى يا ياسين!… لازم نخدوه على المستشفى حالًا!… اكتم الدم… ديه بيموت!
رفع ياسين رأسه، وأخذ يجول بعينيه في الغرفة بجنون، يبحث عن أي شيء يوقف النزيف…
لكن الغرفة كانت خالية.
دون تردد…
قبض على طرف قميصه، ونزعه بعنف حتى انكشف صدره، ثم ناوله لأنين وهو يقول بلهجة آمرة اختلطت بالرعب:
اضغطي على الجرح بكل قوتك… متسيبيش إيدك!
التقطت أنين القميص بسرعة، وطوته فوق الجرح الغائر، ثم ضغطت عليه بكلتا راحتيها، حتى تلطخت أصابعها وذراعاها بدماء عزيز.
كانت دموعها تنهمر وهي تردد بخوف:
اتحمل… بالله عليك اتحمل
… متغمضش عيونك… اتحمل.
في تلك الأثناء…
انحنى ياسين، وأدخل ذراعيه أسفل جسد عزيز، ثم حمله بصعوبة، وقد أثقلته جراحه ودماؤه.
تزاحمت أنفاسه من شدة المجهود، لكنه لم يتوقف.
اندفع خارج الغرفة راكضًا، بينما كانت أنين تسير إلى جواره، تضغط بكل ما أوتيت من قوة على الجرح، ودموعها تختلط بدماء عزيز.
هبطا الدرج في سباق محموم مع الموت…
ولم يتوقف ياسين إلا عند سيارته، وهو يلهث بعنف، وقلبه يردد دعاء واحد .. يارب يلحقه…
فتحت أنين الباب الخلفي للسيارة بيد مرتجفة، بينما كان ياسين يحمل جسد عزيز بين ذراعيه بكل ما يملك من قوة، وقد أثقلته الدماء والجسد الواهن.
بصعوبة بالغة، أنزله فوق المقعد الخلفي، لكن رأس عزيز مالت إلى الجانب بلا حول، وأنفاسه خرجت متقطعة، خشنة، وكأنها معركة يخوضها مع الموت.
قفزت أنين إلى الداخل في اللحظة نفسها، وجثت على ركبتيها بجواره، ثم أعادت الضغط بكلتا يديها على الجرح الغائر.
كانت الدماء تتسرب من بين أصابعها رغم كل ما تبذله من قوة…
حتى تشبعت راحتاها باللون الأحمر، واخترقت الدماء ثيابها، ولطخت وجهها وحجابها، لكنها لم ترفع يدها لحظة واحدة.
أغلق ياسين الباب بعنف حتى اهتزت السيارة، ثم اندفع إلى المقعد الأمامي، وألقى بجسده خلف المقود، وأدار المحرك في اللحظة نفسها.
انطلقت السيارة كطلقة اخترقت قلب الطريق.
كانت قدماه تضغطان على دواسة الوقود حتى آخرها، بينما عيناه لا تكادان تفارقان المرآة الداخلية، يراقب عبرها وجه عزيز الذي ازداد شحوب حتى صار أشبه بوجه ميت ينتظر إعلان رحيله.
قبض على المقود بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، ثم هوى عليه بقبضته بعنف وهو يهدر بغضب كاد يمزق صدره:
يا ولاد المرة!… إزاي يدخلوا البيت؟!…
والخو*** مرشقين في كل حتة زي خبتهم!
ضرب كف بكف، وقد اختلط الذهول بالغضب والرعب، ثم صاح بصوت أجش:
يا ليلة سودا على نهار أزرق!… يعني إيه مفيش أمان حتى في بيتنا؟!… في منطقتنا؟!… داحنا المفروض ندفن نفسنا بالحيا يا ولاد الكلب!
في الخلف…
كانت أنين تبكي بصمت وهي تضغط بكل ما أوتيت من قوة على الجرح.
ارتجف جسدها بالكامل، لكنها رفضت أن تترك يدها أو تخفف ضغطها، وهي تصرخ بدموعها قبل صوتها:
بسرعة يا ياسين!… الراجل دمه هيتصفى!
نبضه ضعيف جوي!… بالله عليك أرمح!
أومأ ياسين برأسه دون أن ينطق.
ثم ضغط على دواسة الوقود أكثر…
فانطلقت السيارة بسرعة جنونية، تشق الطريق كإعصار هائج.
لم يعد يرى إشارات المرور…
ولا السيارات…
ولا المارة الذين كانوا يقفزون مذعورين بعيد عن طريقه.
كل ما كان يراه…
هو انعكاس وجه عزيز في المرآة…
وكل ما كان يسمعه…
أنين متقطع يصارع الصمت…
ودقات قلبه التي راحت تهدر داخل صدره كطبول حرب.
انعطفت السيارة بعنف عند أحد المنعطفات، حتى ارتفع جانبها الأيمن للحظة، وكادت تنقلب من فرط السرعة.
لكن ياسين أعاد السيطرة عليها في اللحظة الأخيرة، دون أن يرفع قدمه عن دواسة الوقود، وهو يهمس بين أسنانه المطبقة بقسم خرج من أعماقه:
استحمل يا عزيز… والله هانت يا صاحبي هانت…
لم تتوقف السيارة إلا بعدما أطلقت صرير حاد وهي تنحرف بعنف أمام مدخل قسم الطوارئ.
وقبل أن تستقر تمامًا…
كان ياسين قد اندفع خارجها كالإعصار، وفتح الباب الخلفي بعنف، ثم انحنى يحاول سحب جسد عزيز الذي استسلم للسكون تمامًا.
ازداد شحوب وجهه حتى بدا كأنه قطعة من الرخام، بينما كانت الدماء لا تزال تنساب من جرحه، تقطر فوق أرضية السيارة.
ارتفع صوت ياسين، ممزق سكون المكان، وهو يصرخ بكل ما بقي في صدره من قوة:
الحقوني!… الراجل بيموت!… يا ناس!
يا اللي هنا!… حد يلحقنا!
في أقل من ثواني…
اندفع عدد من أفراد التمريض وهم يدفعون سرير طبي متحرك بأقصى سرعة.
التفوا حول عزيز، ونقلوه بحركة احترافية إلى السرير المعدني، ثم انطلقوا يعدون به نحو الداخل.
لم يفارقهم ياسين.
ظل يدفع السرير معهم بكل قوته، بينما كانت أنين تركض إلى جواره، تضغط بكلتا يديها على صدر عزيز محاولة إيقاف النزيف الذي لم يرحمها.
اقترب أحد الأطباء مسرعًا، وأخذ يفحص عزيز وهو يركض بجوار السرير، ثم صاح بلهجة عملية سريعة:
حالته كده من إمتى؟
أشارت أنين إلى الجرح بيد ترتجف بعنف، بينما كانت دموعها تتساقط بلا توقف، وقالت بصوت متقطع من شدة البكاء:
عنده چرح غويط في نص صدره… ونزف دم كتير… ونبضه ضعف جوي.
أومأ الطبيب برأسه في سرعة، ثم صاح في طاقم التمريض: حضروا العمليات فورًا!… بسرعة!
وصل السرير إلى أبواب غرفة العمليات.
اندفع الأطباء والتمريض إلى الداخل وهم يحيطون بعزيز من كل جانب.
ثم…
أُغلقت الأبواب الثقيلة.
وبقي ياسين وأنين في الخارج…
لا يملكان سوى التحديق في آخر طرف من السرير، حتى ابتلعته غرفة العمليات، واختفى عن أنظارهما.
ساد صمت ثقيل…
صمت لا يقطعه إلا صوت الأجهزة القادمة من الداخل…
ورائحة الدم التي ما زالت تملأ أنفاسهما.
خفضت أنين بصرها ببطء…
فوقعت عيناها على كفيها.
كانتا مغطاتين بالكامل بدماء عزيز…
أحمر قاني…دافئ…
وكأنه ما زال ينبض بين أصابعها.
شهقت شهقة مكتومة، واتسعت عيناها في ذهول مرعب.
ارتجف جسدها كله دفعة واحدة، وانسحبت الحياة من ساقيها حتى كادت تنهار أرضا.
لكن قبل أن تسقط…
كان ياسين قد لف ذراعه حول خصرها بسرعة، واجتذبها إلى صدره، مثبت جسدها المرتعش بين ذراعيه.
ضمها بقوة، وربت على ظهرها وهو يهمس بصوت متحشرج اختنق بالألم:
اهدي يا قلبي… اهدي…
جسمك كله بيترعش… بالله عليكي اهدي.
تشبثت أنين بعنقه بكل ما تملك من قوة، حتى غرست أظافرها في صدره العاري دون أن تشعر.
وارتمى وجهها فوق صدره، وهي تجهش بالبكاء، ثم همست بصوت متكسر:
المنظر… واعر جوي يا ياسين…
والدم… درعني جوي…
حاسه جلبي هيجف…
أغمض ياسين عينيه بقهر.
وضمها إليه أكثر، حتى كادت تختفي داخل حضنه، ثم أسند وجنته فوق رأسها.
وانزلقت دمعة ثقيلة من عينه، سقطت فوق حجابها، بينما قال بصوت مبحوح:
بعد الشر على قلبك يا عمري…
متخفيش…
ربنا هيسترها إن شاء الله…
بس انتي اهدي…
أنا أتحمل أي حاجة في الدنيا…
إلا أشوفك بالشكل ده يا أنين.
رفعت وجهها إليه ببطء.
كانت عيناها غارقتين في الدموع، وشفتيها ترتجفان، ثم همست برجاء مزق قلبه:
هيعيش يا ياسين؟…
ولا… إحنا وصلنا وخري؟
قبض ياسين على وجنتها برفق، ومسح دموعها بإبهامه، ثم انحنى يقبل جبينها قبلة طويلة، بينما أنفاسه المرتبكة تضرب بشرتها، وهمس بيقين حاول أن يزرعه في قلبها قبل قلبه:
إن شاء الله…
ربنا جبنا في الوقت المناسب…
وربنا كبير.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله، وهو يزفر بقوة، ثم قال:
لازم أبلغ شاهين باللي حصل.
لكن ما إن هم بالابتعاد خطوة…
حتى تشبثت أنين بذراعه بكلتا يديها، وهزت رأسها بعنف، وقد عاد الرعب يسيطر عليها، وهمست باكية:
لا…حدك هنه…متبعدش عني يا ياسين.
نظر إليها لحظة برعب…
ثم أومأ برأسه في هدوء.
أعادها إلى حضنه مرة أخرى، ولف ذراعه حولها مطمئنًا، بينما رفع الهاتف باليد الأخرى واتجهت أصابعه نحو رقم شاهين.
وخيم الصمت على الممر الطويل…
صمت ثقيل…
لا يقطعه إلا نحيب أنين المكتوم…
وصوت الأجهزة القادمة من خلف أبواب غرفة العمليات…
ودقات قلبين ينتظران كلمة واحدة…
قد تعيد الحياة…
أو تهدمها إلى الأبد.
…..
في السجن الاحتياطي…
انفتح الباب الحديدي بصرير خشن، اخترق صمت الممرات الكئيبة، ثم دلف أنور بخطوات بطيئة، وقد قيدت يداه بالأصفاد.
تقدم العسكري نحوه، وفك القيود المعدنية من معصميه، قبل أن ينصرف ويغلق الباب.
وفي اللحظة نفسها…
اندفع أحمد بخطوات سريعة، حتى وصل إليه، ثم احتضنه بقوة، وربت على ظهره وهو يقول بصوت اختلط فيه الفخر بالألم:
عفارم عليك يا أنور… عملتها.
أغمض أنور عينيه للحظة، ثم زفر زفرة طويلة، وربت على كتف أحمد، وقال بصوت مبحوح أثقلته السنوات:
ده تار… وبات يا أحمد…
بس لسه ممتش أن الأوان آخد بتار بنتي…
وتار نجوى.
لكن…
قبل أن تكتمل كلماته…
دوى صوت شاهين داخل الزنزانة كالرعد :
بنتك؟!
استدار نحوه بعينين محتقنتين بالغضب، وعروق عنقه تكاد تنفجر، ثم صاح بصوت حاد مزق الهواء:
بنتك مين؟!… وتار إيه اللي بتتكلم عنه؟!
ثم التفت نحو أحمد، وأشار إليه بإصبع مرتجف من شدة الانفعال:
وأنا كنت فين من كل ده يا عم أحمد؟!
يعني إنت كنت عارف إنه أبوها الحقيقي من الأول؟!
وكنت بتكرتني على قفايا؟!
تنهد أحمد بضيق، وحاول أن يتكلم…
لكن أنور رفع يده يمنعه، ثم نظر إلى شاهين بعينين أنهكهما الندم، وقال بصوت منخفض:
اسمعني يا شاهين…
ومتبقاش غشيم…
وافهم الحكاية رايحة لفين.
لكن تلك الكلمات…
لم تكن سوى الزيت الذي سُكب فوق نار مشتعلة.
اندفع شاهين نحوه كالإعصار.
وقبل أن يتمكن أحد من منعه…
قبض على عنقه بكلتا يديه، وهزه بعنف حتى ارتطم ظهره بالحائط، وهو يهدر بصوت خرج من أعماق جرح لم يلتئم:
أفهم إيه؟!
وأسمع إيه؟!
ضغط أصابعه أكثر حول عنقه، حتى احمر وجه أنور، وأكمل بصوت مزلزل:
إنت السبب في كل ده!
إنت السبب في موت أمها!
وإنت السبب إنها قضت خمس سنين من عمرها في بدروم تحت الأرض!
خمس سنين…
الرطوبة كانت بتاكل في جسمها…
والخوف والمرض بياكل في قلبها…
وإنت؟!
مال نحوه أكثر، حتى كادت جبهتاهما تتلامسان، ثم زمجر:
وإنت هربان…
وسايبها في إيد ابن عـ** يعذب فيها ليل ونهار!
اهتز جسد أنور بين يديه، بينما دوى صوت شاهين من جديد:
دانت دمك حلال عليا يا سعد الكلب!
في تلك اللحظة…
اندفع أحمد نحوه بكل قوته، وجذبه بعنف إلى الخلف.
أفهم يا شاهين!
قاوم شاهين للحظات، قبل أن تنفلت رقبة أنور من قبضته.
سقط أنور أرضًا على ركبتيه، يسعل بعنف، ويضع يده فوق عنقه، يحاول أن يلتقط أنفاسه المختنقة.
لكن شاهين لم يهدأ.
دفع أحمد بقوة حتى تراجع عدة خطوات، ثم صاح بصوت مشروخ من شدة الوجع:
أفهم إيه؟!
رفع يده أمامه…
وكأن صورة حور الصغيرة تجسدت أمام عينيه.
رآها كما كانت…
طفلة هزيلة…
جسدها يرتجف من الحمى…
وعيناها تمتلئان برعب لا تعرفه الطفولة.
اختنق صوته، وانكسرت حدته، ليخرج مبحوح تغمره الدموع:
عيلة يتيمة…
مريضة…
مرعوبة…
ابتلع غصته بصعوبة، ثم أكمل وهو يهز رأسه في قهر:
شافت في خمس سنين…
اللي ناس متشوفوش في عمر كامل.
استدار فجأة نحو أنور، الذي كان لا يزال يحاول استعادة أنفاسه، وأشار إليه بيد مرتجفة، ثم هدر بعينين اشتعلتا غضب:
إزاي؟!
إزاي كنت عايش؟! إزاي كنت بتنام…
وتصحى…
وتاكل…
وتشرب…
وإنت عارف إن بنتك في بيت واحد جاحد زي عابدين؟!
ارتجف صوته في آخر كلماته، وخرج السؤال ممزوج بالقهر أكثر من الغضب:
قلبك… مكنش بيتحرق عليها؟!
ولا كان بيموت كل يوم ألف مرة وهو بعيد عنها؟!
إزاي قدرت تعيش…
وهي كانت بتموت كل يوم لوحدها؟!
هز أنور رأسه ببطء، وانزلقت دموعه فوق وجنتيه، تحمل قهر سنوات وندم لم يعد ينفع.
خرج صوته مبحوح، وكأن كل كلمة تنتزع قطعة من روحه:
والله… لساني نشف وأنا أتحايل على نجوى تطلق من عابدين…
كنت هتجوزها…
وكان زمان حور اتربت في حضني…
لم يدعه شاهين يكمل.
في لمح البصر…
اندفع نحوه كالإعصار، وقبض على عنقه بعنف، ثم هوى بقبضته على وجهه لكمة تلتها أخرى… وثالثة…
حتى انفجر الدم من فم أنور، وتناثر فوق الأرض.
واهتزت جدران المكان بصوت شاهين، وهو يصرخ كالرعد: متجيبش اسمها على لسانك النجس ده!
لكمه مرة أخرى، ثم أمسكه من تلابيب ملابسه بعنف، حتى كاد يرفعه عن الأرض، وهدر بعينين احمرتا كالجمر:
اسمها… اتحرم عليك يا ابن الحرام!
اقترب من وجهه حتى اختلطت أنفاسهما، ثم زمجر:
لو كنت راجل… راجل حر بحق…
عمرك ما كنت ترضى تلمس مره على ذمة راجل تاني!
ضغط على ياقة قميصه أكثر، وخرج صوته ممزق بالقهر:
ولا كنت تتحمل…
إن الناس يوم تقول على بنتك…
إنها بنت حرام!
دفعه بعنف حتى ارتطم بالأرض، ثم صاح وهو يشير إليه:
يا ابن الكلب…يا نجس!
اندفع أحمد بسرعة، وأمسك شاهين من كتفيه، يحاول جذبه بعيدًا عنه، وهو يهتف بصوت مرتفع:
يا أخي اسمع!
اسمع الكلام… كلنا بشر! كلنا بنغلط…وأنور غلط…
بس يعلم ربنا…
كفر عن غلطته سنين.
ابتلع غصته، ثم أكمل وعيناه تمتلئان بالدموع:
إنت متخيل يعني إيه أب…
يشوف بنته قدامه سنين…
من غير ما يقدر يكلمها…
ولا يضمها لحضنه مرة واحدة؟
استدار شاهين إليه ببطء.كان وجهه مخيف…
وعيناه تحملان غضب خرج عن حدود السيطرة.
ثم هدر بصوت أجش : متقولش…. بنته!
أشار إلى صدره بعنف، حتى كاد يمزق قميصه، ثم صاح:
حور دي… بنتي أنا!
بنت عمري…
وبنت سنيني!
رفع يده إلى شعره، ثم جذب خصلة منه بعنف وهو يهدر:
بص! بص يا عم أحمد!
شايف الشعر الأبيض ده؟
كل شعرة فيه…
بخضة على حور!
كل واحدة فيهم…
ليلة سهر…
وخوف…
ورعب عليها!
هبطت يده إلى صدره، وضربه بقبضته بقوة، ثم قال بصوت اختنق من شدة الألم:
إنت جاي تقولي أبوها؟! وكمان دخلته بينا…
وأمنتله!
وهو واحد نجس…
عينه راحت لحرمة راجل غيره!
رفع إصبعه محذر ، وقال بحسم لا يقبل النقاش:
لا إنت… ولا هو… من النهارده…
حور متخصكوش…لا من قريب…
ولا من بعيد!
ساد صمت ثقيل.
تجمد أحمد في مكانه، بينما ظل أنور ينظر إلى شاهين بعينين امتلأتا بالانكسار.
ارتجفت شفتا أحمد، ثم قال بصوت خافت:
يعني إيه يا شاهين…؟
إنت عارف إن حور…
لكن شاهين قاطعه بعنف، ورفع كفه في وجهه محذر:
أنا عارف!
أنا عارف كل حاجة!
ثم اقترب خطوة، وانخفض صوته، لكنه صار أشد قسوة: بس إنتوا عارفين…
لو حور عرفت إنها بنت حرام…
ممكن يحصلها إيه؟
هز رأسه بعنف، وقد اغرورقت عيناه بالدموع:
دي الحاجة الوحيدة…
اللي مستحيل…
أسمح بيها طول ما أنا عايش.
أطرق أحمد رأسه…
ولم يجد كلمة واحدة يرد بها.
أما شاهين…
فاستدار بعنف، واتجه نحو الباب بخطوات غاضبة.
وقبل أن يخرج… توقف.
ظل يعطيهما ظهره لثواني طويلة…
ثم قال بصوت متحشرج، خرج مثقل بالوجع:
ويا ترى…
عملتوا إيه في عقد الجواز؟
ولا كنتوا هتسيبوني…
أدخل على مراتي…
في الحرام؟
كأن الكلمات اخترقت قلب أحمد.
ابتلع غصته بصعوبة، ثم نظر إلى أنور لحظة، قبل أن يعيد بصره إلى ظهر شاهين.
وانهمرت دموعه أخيرًا، وقال بصوت مبحوح يقطر ألمًا:
دلوقتي… بس…
حطيت إيدك على وجعي.
من يوم ما قلتلي…
عايز أتجوز حور…
وأنا برفض… وأماطل…
مش عشان مش عايزك.
بس… عشان كنت خايف…
من اليوم اللي هضطر فيه أرجعها على اسم أبوها…
علشان جوازك منها…يبقى حلال…
يا ابن عمري.
التفت شاهين نصف التفاتة فقط.
ورسمت السخرية المريرة نفسها فوق شفتيه، ثم قال بصوت مبحوح:
ابن عمرك؟! إزاي بقي…
وإنت ضحكت عليا…
السنين دي كلها؟
اقترب أحمد منه بخطوات متعثرة، ومد يده نحوه وهو يبكي: والله ما ضحكت عليك يا شاهين…
إنت لو كنت جبت القسيمة كنت هتعرف…
إن حور…على اسم أبوها الحقيقي…
مش على اسمي.
مسح دموعه بكفه المرتجفة، ثم أكمل:
عملت كده علشانك…
علشان يوم ما تتجوزها…
يبقى جوازك صحيح…
وحلال…على شرع ربنا…
وسنة رسوله.
اشتدت عضلات فك شاهين حتى كادت تتحطم من شدة الضغط.
ظل صامت…
لا يملك رد…
ولا يملك غفران…
ثم استدار أخيرًا…
وغادر المكان بخطوات سريعة، بينما ظل صدى غضبه ووجعه معلق بين جدران السجن… كجرح لن يلتئم بسهولة.
نهض أنور بصعوبة، واضع كفه فوق فكه الذي ما زال ينبض بالألم، ثم مسح الدم العالق بطرف شفتيه، وأطرق رأسه طويلًا، قبل أن يهمس بصوت متحشرج أثقلته الحسرة:
سامحني يا أحمد…
أنا عارف إن كل اللي حصل… بسببي.
والله العظيم… لو كنت أعرف إن غلطة واحدة في حياتي هتخليني أدفع تمنها أنا وبنتي العمر كله…
ما كنت عملتها… حتى لو كان فيها موتي.
قاطعه أحمد بلهجة حادة، لكنها كانت تخفي خلفها وجع أكبر من الغضب: اللي حصل… حصل يا أنور.
زفر بحرقة، ثم أكمل وهو ينظر إليه بعينين يكسوهما الأسى:
ضيعت خمس سنين كاملة…
واقف قدام بيت عابدين، تستخبى وتراقب، بس عشان تشوف بنتك من بعيد.
وبعدها…
ضيعت باقي عمرك كله في خدمتي…
بس علشان تفضل قريب منها، حتى لو هي متعرفش إنك أبوها.
ساد الصمت بينهما…
صمت ثقيل، لا يسمع فيه إلا صوت أنفاسهما المتعبة.
مد أحمد يده ببطء داخل ملابسه، ثم أخرج سلاح أبيض، ظل يحدق فيه لحظة، قبل أن يرفعه أمام أنور.
انعكس بريق النصل بين عينيهما…
وقال بصوت غليظ، يحمل معنى أكبر من الكلمات:
فاضل لك حق واحد…
وفرصة واحدة.
ثم ثبت نظره داخل عينيه، وأضاف بحزم:
لو ضيعتها…
تبقى ضيعت أكتر من كل اللي فات.
سكت لحظة، ثم سأله: هتعمل إيه يا صاحبي؟
ارتعشت شفتا أنور.
هبطت عيناه على السكين، وكأنها لم تكن قطعة حديد…
بل كانت آخر باب مفتوح أمامه ليغسل عمر كامل من الذنب.
انزلقت دموعه في صمت، دموع لم تشبه الانكسار…
بل أشبهت دموع رجل وجد أخيرًا طريق خلاصه.
مد يده…
وأخذ السلاح بثبات.
ابتلع الغصة المشتعلة في حلقه، ثم قال بصوت خرج حاسمًا رغم ارتجافه:
فاضل روحي…وأنا هدفعها…
عشان شاهين وحور يعيشوا من غير خوف.
اقترب خطوة من أحمد، وربت على كتفه برفق، ثم قال بصوت مبحوح، يحمل رجاء أب يعرف أنه ربما لن يعود:
بس بالله عليك يا أحمد…
وحياة حور عندك…
لو في يوم المستور انكشف…
فهم بنتي…
إني دفعت تمن غلطتي.
دفعت من سنين عمري…
ومن روحي…
ومن كل نفس طلع مني.
ارتجفت شفتاه، ثم همس:
متخليهاش تكرهني…قول لها…إن أبوها غلط…
بس فضل يتعذب بالغلط ده كل يوم.
قول لها…تسامحني…يمكن…
يمكن ربنا يسامحني.
لم يحتمل أحمد أكثر.
اندفع إليه، وضمه بقوة بين ذراعيه، وربت على ظهره كما يربت الرجال على بعضهم قبل الذهاب إلى معركة قد لا يعودون منها.
ثم قال بصوت متحشرج اختلطت فيه الرجولة بالدموع:
متخافش يا أنور…مفيش أب…
ضحى بنفسه عشان راحة بنته قدك.
ابتعد عنه ببطء، ثم نظر إليه نظرة طويلة، قبل أن يشير إلى السكين ويقول بلهجة صارمة:
أهم حاجة…
أوعى يطلع من تحت إيدك…
وفيه الروح…فاهم؟
أومأ أنور برأسه في هدوء غريب، ثم أطبق أصابعه حول مقبض السكين حتى ابيضت مفاصله، وقال بنبرة حاسمة لا تعرف التردد: متخافش…
أنا مغلول من سنين طويلة…
والنهارده…
يا هو هيطلع بروحه…
يا أنا هطلع بروحي…
في منزل المهدي…
في شقة شاهين المهدي…
استدار مفتاح الباب ببطء داخل القفل…
ثم انفتح الباب دون أن يسمع سوى صرير خافت، كأنه يعلن عودة رجل ترك نصف روحه خارج ذلك المنزل.
دلف شاهين إلى الداخل…
وأغلق الباب خلفه في هدوء، لكن ذلك الهدوء لم يكن سوى وجه آخر للانهيار.
أسند ظهره للحظة إلى الباب المغلق، وأغمض عينيه، كأن آخر ما تبقى من قوته قد سلب منه خارج تلك العتبة.
ثم دفع جسده بصعوبة…
وسار إلى الداخل بخطوات ثقيلة، يجر قدميه جر، وكأن كل خطوة تقتطع جزء من روحه.
لم يعد ذلك الرجل الصلب الذي كانت تهتز له الرجال…
بل بدا كمن يحمل فوق كتفيه عمر كامل من الوجع.
في تلك اللحظة…
انفتح باب غرفة حور بهدوء.
خرجت فوزية، وأغلقت الباب خلفها برفق، حتى لا توقظ الصغيرة النائمة.
لكنها ما إن التفتت…
حتى تجمدت في مكانها.
انعقد حاجباها، واتسعت عيناها وهي تحدق في ولدها.
لم تكن ترى شاهين…
بل كانت ترى وجع يمشي على قدمين.
عيناه محتقنتان بحمرة الدموع…
وجهه شاحب…
وفكه مشدود بقوة، كأنه يقاتل حتى لا ينهار.
اقتربت منه بخطوات سريعة، ومدت يدها تتحسس وجنته، ثم همست بقلق أم شعرت أن قلب ابنها ينزف أمامها: مالك يا شاهين…؟
ثم رفعت كفها إلى صدره وربتت عليه برفق، وهي تردد بصوت مرتجف: فيك إيه يا ولد؟
رفع شاهين عينيه إليها…
وفي تلك النظرة وحدها…
رأت فوزية ما أخافها أكثر من أي كلمة.
رأت الحيرة…
والخذلان…
والقهر…
ورجل يقف على حافة الانكسار.
خرج صوته مبحوح، متكسر كزجاج تهشم تحت الأقدام:
انزلي ياما…واقفلي الباب وراكي.
ارتجف قلبها.
مدت يدها تحتضن وجهه بكفيها، وربتت على صدره بحنان أمومي، كأنها تحاول أن تضم جراحه قبل جسده، وقالت بصوت اختلطت فيه الرحمة بالخوف:
مالك يا ضنايا…؟
ليه عامل في نفسك كده؟
إيه اللي كسر قلبك بالشكل ده؟
أغمض شاهين عينيه طويلًا…
واحتبس أنفاسه، كأنه يخشى أن يخرج معها كل ما يكتمه.
وحين فتحهما من جديد…
كان التعب قد احتل ملامحه بالكامل.
همس بصوت متحشرج، يكاد لا يسمع:
أبوس إيدك يا أمّا…
سيبيني دلوقتي…نفسي…
أقعد مع حور شوية.
تأملت وجهه لحظات.
كانت تعرف ولدها أكثر مما يعرف نفسه.
وأدركت أن هناك وجع…
أكبر من أن يقال.
تنهدت بحرقة…
ثم أومأت برأسها في استسلام.
ربتت على كتفه بحنان، وقالت وهي تخفي دموعها بصعوبة: ربنا يهونها عليك يا ضنايا…
ويكفيكم شر الغفلة…
ويبعد عنكم وجع القلوب.
ثم استدارت ببطء…
وخرجت من الشقة، تغلق الباب خلفها برفق شديد…
بينما بقي شاهين واقف في مكانه…
ينظر نحو باب غرفة حور…
وكأنه لا يملك في الدنيا كلها ملاذا…
إلا تلك الغرفة.
أغمض شاهين عينيه لثوانٍ طويلة…
وأخذ نفس عميق، يحاول أن يحبس معه تلك الدموع التي كانت تتزاحم خلف جفنيه، مهددة بأن تهدم آخر جدار من صلابته.
كان يقف على حافة هاوية…
ويشعر أن خطوة واحدة فقط…
كفيلة بأن تسقطه إلى قاع لا عودة منه.
تحرك أخيرًا…
وساقاه بالكاد تحملانه.
اتجه نحو غرفة النوم، ثم أمسك بالمقبض وأدار الباب ببطء، ودلف إلى الداخل، قبل أن يغلقه خلفه في هدوء.
ساد الغرفة ضوء خافت…
وكانت حور تتمدد فوق السرير، يغطي الشحوب وجهها الصغير، بينما استقر قناع الأكسجين فوق أنفها وفمها.
لكن…
ما إن تسللت إليها رائحته…
حتى فتحت عينيها في الحال.
كأن روحها تعرفه قبل أن تراه.
رفعت يدها ببطء، وأبعدت قناع الأكسجين عن وجهها، ثم ابتسمت ابتسامة واهنة سرعان ما اختفت، بعدما رأت مكان وقوفه.
كان ما يزال ملتصق بالباب…بعيدًا عنها…
بعيدًا على غير عادته.
انعقد حاجباها في دهشة امتزجت بالخوف.
وخرج صوتها خافت، مبحوح من أثر المرض، لكنه كان يقطر وجع :
إنت… واقف كده ليه يا شاهين؟
سكتت لحظة…
ثم همست بعينين امتلأتا بالاشتياق:
هو أنا موحشتكش…؟
أنا مشوفتكش طول اليوم يا حبيبي…
كانت كلماتها…
القشة التي قصمت ما تبقى داخله.
في لحظة واحدة…
انفجرت داخله كل الأصوات التي ظل يقمعها منذ عرف الحقيقة.
كيف يخبرها؟
كيف ينظر في عينيها بعدما علم ما علمه؟
كيف تتحمل تلك الروح الرقيقة حقيقة قد تقلب حياتها رأسًا على عقب؟
ماذا لو عرفت أنها ليست ابنة ذلك النسب الذي تربت عليه؟
ماذا لو علمت أن الأرض التي وقفت فوقها طوال عمرها…
لم تكن كما ظنت؟
هل ستبقى حور نفسها؟
أم سيكسرها السؤال قبل الإجابة؟
وهل ستظل تنظر إليه بالعينين نفسيهما…
أم سيمتلئ قلبها بالخوف من كل شيء؟
شعر أن صدره يضيق…
وأن الهواء أصبح أثقل من أن يستنشق.
مدت حور يدها إليه…
تنتظره.
ولما طال صمته، ارتجفت شفتاها، وهمست والدموع تلمع في عينيها:
هو في إيه يا شاهين…؟
أنا… زعلتك في حاجة؟
ولا عملت حاجة ضايقتك؟
لم يحتمل…
اندفع نحوها دفعة واحدة.
وانحنى فوقها، لا كرجل احتمى بامرأته…
بل كطفل ضاقت به الدنيا، فلم يجد سوى حضن أمه.
ضمها بكل ما فيه من خوف…
ومن وجع…ومن يأس.
حتى كادت عظامها تشعر بارتجافة قلبه.
ودفن وجهه في عنقها، وهو يهمس بصوت متحشرج اختنق بالعبرة:
إنتي…عمرك ما زعلتيني.
الدنيا كلها هي اللي زعلتني…
إلا إنتي…يا بت قلبي.
أغمضت حور عينيها فورًا…
ولفت ذراعيها حول عنقه، تحتضنه بكل ما تبقى فيها من قوة.
كانت تشعر برجفته…
وتسمع أنفاسه المضطربة…
وتدرك أن شيئًا هائل يحطم روحه.
مررت أصابعها بين خصلات شعره بحنان، وهمست بصوت دافئ، رغم ارتجافها:
أنا…بت قلبك يا شينو؟
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، امتزجت فيها الدهشة بالخجل، وأردفت وهي تنظر إليه بعينين لامعتين:
دي… أول مرة تقولها ليا.
رفع شاهين رأسه إليها ببطء…
حدق طويلًا في وجهها…
ثم رفع كفه المرتجفة، وأحاط وجنتها برفق، وكأنها أغلى شيء يخشى أن ينكسر بين يديه.
وانزلقت دمعة ساخنة فوق وجنته، وهو يهمس بصوت خرج من أعماق قلبه:
لا…دي الحقيقة اللي كان لازم أقولها من زمان.
إنتي مش بس بت قلبي يا حور…
انتي القلب كله…
ولو خيروني بين الدنيا كلها…
وبين إن رمش في عينك ينكسر…
لاخترتك انتي…
كل مرة…
وكل عمر.
تراجع شاهين برأسه إلى الخلف قليلًا…
لكنه لم يتركها.
ظل يحتضنها بين ذراعيه، وكأنهما الملاذ الأخير الذي يتمسك به قبل أن يغرق.
أسند جبهته إلى جبهتها، وأغمض عينيه لحظة، يستمد من دفء أنفاسها قوة تعينه على الوقوف، ثم همس بصوت مبحوح أثقلته العبرة:
ومش بس بت قلبي… لا..
وعمري…وسنيني…
وحور دنيتي…وجنتي..
إنتي كل حاجة حلوة في حياتي يا حور…
كل حاجة… أوي.
ظلت تتأمل وجهه في صمت.
كان هناك شيء غريب في عينيه…
شيء لم تره فيه يومًا.
رفعت يدها الصغيرة، ولمست وجنته بأطراف أصابعها برفق، ثم همست بدهشة امتزجت بالقلق:
أنا حاسة إنك زعلان…
في إيه يا شينو؟
ابتلع شاهين الغصة التي كادت تخنقه.
وشعر أن الكلمات تحرق حلقه قبل أن تخرج.
ثم قال بصعوبة:
خايف…خايف أوي يا حور.
اتسعت عيناها في دهشة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، وهي تقول محاولة أن تخفف عنه:
هو… إنت بتخاف يا شاهين؟
رفع عينيه إليها…
وفي اللحظة نفسها، انزلقت دمعة ثقيلة على وجنته دون أن يستطيع منعها.
وهمس بصوت اختنق بالألم:
عليكي…انتي وبس.
ارتجف قلبها.
لكنها أخفت خوفها خلف دلالها المعتاد، وابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم همست وهي تزحف أكثر داخل حضنه:
طول ما أنا في حضنك…تخاف ليه؟
أغمض شاهين عينيه لحظة.
ومرر كفه فوق وجنتها بحنان بالغ، كأنه يحفظ تفاصيلها في ذاكرته، ثم قال بصوت خرج متوسلًا لأول مرة في حياته:
أوعديني…إنك متبعديش عني…
مهما حصل.
سكت لحظة…
وأخذ يتأمل ملامحها بعينين تشتعلان بحزن موجع، ثم أكمل:
وخليكي دايمًا فاكرة…
إنك بنتي…وحبيبتي…
ومراتي…وأم ولادي…
إنتي كل اللي ليا في الدنيا.
اختنق صوته عند الكلمات الأخيرة.
وراح ينظر إليها طويلًا، وكأنه يخشى أن يخطفها الزمن من بين يديه في أي لحظة.
ثم همس برجاء مزق قلبها:
أوعديني يا حور…عشان خاطري.
لم تفهم…
لم تعرف سر هذا الخوف الذي ينهش روحه.
لكنها رأت دموعه.
وشاهين…
الرجل الذي كانت تظنه أقوى من الجبال… يبكي.
انهمرت دموعها هي الأخرى بعنف، دون أن تعرف سببًا واضح لبكائها…
كل ما كانت تعرفه…
أن قلبها يرتجف لأن قلبه ينزف…
رفعت كفيها المرتجفين، وأمسكت وجهه بينهما، تمسح دموعه بإبهاميها في لهفة، وهي تهز رأسها بالنفي، ودموعها تتساقط فوق وجنتيها:
طيب…إنت بتعيط ليه؟
أنا… خوفت أوي كده يا قلبي…
خوفت…لما شوفت دموعك.
شهقت شهقة صغيرة، ثم التصقت به أكثر، كأنها تخشى أن يبتعد عنها، وهمست بصوت متكسر:
دي أول مرة…
أول مرة أشوف شاهين المهدي بيعيط…
والله خوفت…
خوفت يكون في حاجة هتاخدك مني…
أو حاجة هتبعدني عنك.
ليه تعمل فيا كده يا شينو…
أنا قلبي ضعيف عليك…
ولو شوفتك موجوع…
أنا اللي هموت قبلك.
ضمها شاهين إلى صدره بعنف…
بعنف رجل يوشك أن يفقد آخر ما يملكه في الحياة.
حتى ضاق نفسه، وكأن الهواء نفسه لم يعد يكفي رئتيه.
دفن وجهه بين خصلات شعرها، وأغمض عينيه بقوة، ثم خرج صوته مبحوح، متكسر، يحمل خوف لم يعرفه طوال عمره:
وأنا كمان…خايف.
أول مرة في حياتي أخاف بالشكل ده يا حور…
وأنتي… مش راضية توعديني إنك مش هتبعدي عني.
ارتجف جسدها بين ذراعيه.
ولفت ذراعيها حول عنقه بكل ما بقي فيها من قوة، حتى اختلطت أنفاسهما.
وانزلقت دموعها فوق كتفه، وهي تهمس بصوت يقطر وجع :
أبعد عنك إزاي بس…؟
وأنا أصلًا…
معرفتش حضن غير حضنك.
ولا حسيت بالأمان إلا وإنت حواليا.
حتى الموت…إنت خطفتني منه.
ارتعش قلب شاهين مع كلماتها.
فزاد من احتضانها أكثر، حتى كاد يذيبها داخل ضلوعه، ثم همس بصوت غريب… مزيج من الرجاء والقرار:
خلاص…يبقى تيجي معايا يا حور.
ابتعدت عنه قليلًا، ونظرت إليه بحيرة، بينما انعكست الدهشة كاملة داخل عينيها.
وسألته برقة: أجي… فين؟
اقترب منها مرة أخرى.
ورفع كفه يمسح دموعها بإبهامه، ثم انحنى حتى لامست شفتاه دموعها فوق وجنتها، يمحوها برفق، قبل أن يهمس عند أذنها:
هنسافر…أي بلد تحبيها…ونبعد عن هنا…للأبد.
أنا… مش عايز أعيش هنا تاني يا حور.
انعقد حاجباها أكثر.
وأخذت تحدق فيه، وكأنها لا تعرف الرجل الجالس أمامها.
ثم همست بدهشة امتزجت بالخوف:
ليه يا شينو…؟ ونسيب أهلنا لمين؟
ده… كل حياتنا هنا.
هز شاهين رأسه بعنف، حتى تناثرت خصلات شعره فوق جبينه.
ثم قال بصوت انفجر من أعماق صدره، وقد اختلط الغضب بالقهر:
لا…إنتي.. إنتي كل حياتي.
أنا مش عايز حد تاني.
ولا عايز الدنيا كلها.
أنا عايزك إنتي وبس…
هتيجي معايا يا حور؟
كانت عيناه تستجديانها…
لا تطلبان جواب…
اقتربت منه في هدوء.
ورفعت كفيها تحتضن وجهه بينهما، ثم جذبته إليها حتى استقرت رأسه فوق صدرها، كما لو أنها تريد أن تخبئه من العالم كله.
راحت تمرر أصابعها بين خصلات شعره بحنان أم يهدئ طفل أفزعه كابوس، وهمست والدموع لا تزال تبلل صوتها:
خلاص…خلاص يا حبيبي…
اهدى….وأنا هاجي معاك…
أي مكان…آخر الدنيا… أولها…
حتى لو مفيهاش غيري وغيرك.
هكون معاك….بس اهدى…
عشان خاطري.
تنهدت وهي تضمه أكثر، ثم أغمضت عينيها وأردفت بصوت مرتعش:
أنا أول مرة أشوف شاهين المهدي بالشكل ده…
وأول مرة أحس إن الدنيا كلها واقعة فوق ضهره.
لو الوجع ده نصيبي…هاتهولي.
ولو الخوف ده طريقك…أنا همشيه معاك.
بس أوعى تخبيه جواك لوحدك…
لأن قلبك… بيتي.
وأنا مقدرش أشوف بيتي بيتهد قدامي وأنا ساكتة.
ابتعد شاهين عنها قليلًا…
فقط بالقدر الذي يسمح له أن يرى وجهها.
كانت الدموع تنهمر من عينيه بلا توقف، كأن السنين كلها اختارت هذه اللحظة لتبكي.
نظر إليها طويلًا…
ثم خرج صوته مبحوح، ممزق، كأن كل كلمة تنتزع قطعة من قلبه: أنا…
حاسس إني موجوع أوي يا حور…
وجع عمره ما وجعني كده.
حاسس…
كأن في سكينة بايته في قلبي…
وكل نفس باخده بيزقها لجوه أكتر.
شهقت حور شهقة مكتومة، وارتفع نحيبها رغم عنها.
أسرعت تمسك وجهه بكلتا يديها، وأخذت تمسح دموعه بجنون، وكأنها تريد أن تمنع عنه حتى حقه في البكاء.
وهمست بصوت متقطع من كثرة الدموع:
ليه كده يا شاهين…؟
بعد الشر عليك يا حبيبي…
مين اللي وجعك؟
قولي…قولي مين زعلك…
وأنا والله أزعل منه عشانك.
أنا بحبك أوي…ومش قادرة…
مش قادرة أشوفك بالحالة دي.
كل دمعة بتنزل منك…بتوجعني أنا.
ابتسم شاهين ابتسامة صغيرة…
كانت أشبه بابتسامة رجل يحتضر وهو يرى آخر نور في حياته.
ثم جذبها إلى صدره بكل ما يملك من قوة.
أغلق ذراعيه حولها حتى أصبحت أنفاسها تختلط بأنفاسه، ودفن وجهه في شعرها، وهمس بصوت أجش، خشن من شدة البكاء:
وأنا…بعشقك…بعشقك يا حور.
ولو كان في كلمة أكبر من العشق كنت قولتهالك.
أنا هموت عليكي…يا أحن قلب شافته عيني.
بحبك…أوي…أوي…أوي يا حور…
يا نور عيني…
ويا كل دنيتي…
ارتجف جسدها بين ذراعيه، بينما راحت تشد على ظهره أكثر، كأنها تخشى أن يضيع منها.
أما هو…
فرفع رأسه ببطء إلى سقف الغرفة، وأغمض عينيه لحظة طويلة، ثم قال بصوت حاسم، وكأنه اتخذ قرار لا رجعة فيه:
بكرة…هحجز…وهنسافر.
وهبعدك عن هنا.
هاخدك في حضني العمر كله.
ومستحيل…مستحيل أرجع بيكي تاني.
ومستحيل أقعد مستني…
لحد ما تيجي لحظة وأضيعك مني.
سقطت كلماته فوق قلبها كالمطر…
لم تفهم سببها.
ولم تدرك ما الذي أشعل كل هذا الرعب في روحه.
لكنها كانت ترى الحقيقة الوحيدة التي تعرفها…
شاهين يتألم.
وذلك وحده كان كافي ليحطمها.
أومأت برأسها مرات متتالية، والدموع تنساب فوق وجنتيها في صمت، ثم رفعت وجهها إليه وهمست بصوت مرتجف:
حاضر…هسافر معاك…لو هترتاح…
هسيب الدنيا كلها وامشي وراك.
ولو آخر الدنيا فيها راحتك…
يبقى آخر الدنيا هيبقى بيتي.
أنا ماليش مكان…
غير المكان اللي إنت فيه.
ثم عادت لترتمي بين ذراعيه من جديد، وأغلقت عينيها وهي تستمع إلى دقات قلبه المضطربة تحت خدها.
وفي داخلها…
كانت تدعو الله في صمت…
أن يطفئ تلك النار التي تلتهم قلب الرجل الذي أحبته أكثر من نفسها…
حتى لو كان ثمن ذلك أن ترحل معه إلى آخر الدنيا، دون أن تسأله إلى أين… ولماذا.
……………
في مصنع المهدي…
اندفعت شموع إلى مكتب السكرتارية بخطوات سريعة، ثم توقفت أمام المكتب، وألقت نظرة متفحصة على السكرتيرة الحسناء، من رأسها حتى أخمص قدميها.
ضيقت عينيها، ثم تمتمت بصوت خافت ظنت أنه لا يسمعه أحد:
أممم… عشان كده بقى البيه مستخبي في المكتب ومش راضي يروح… وسايب باربي دي هنا! آه يا ابن الجزمة…
رفعت السكرتيرة رأسها في دهشة، وقالت باستغراب:
أفندم؟ حضرتك قولتي حاجة؟
شهقت شموع وهي تلعن غباءها في سرها بعدما أدركت أنها تحدثت بصوت مسموع، ثم هزت رأسها سريعًا وقالت بارتباك مصطنع:
لا… ولا حاجة يا باربي… كنت بسألك… أستاذ يونس بيه باشا موجود؟
رمشت السكرتيرة عدة مرات، ثم عقدت حاجبيها قائلة باستغراب: بيه… باشا؟
أومأت شموع برأسها وهي تتصنع البراءة، وقالت بصوت رقيق متكلف: أيوه… يونس… موجود؟
أجابت السكرتيرة ببرود:
أيوه… يونس بيه… باشا موجود.
رفعت شموع أحد حاجبيها، وأسندت كفيها فوق المكتب، ثم قالت وهي تقلد نبرتها الساخنة:
– دي عرفتيها لوحدك… ولا حد كاتبهالك علي إيدك؟
مالت السكرتيرة إلى ظهر مقعدها، ثم ابتسمت ابتسامة باردة وقالت بثقة:
لا… أنا بعرف أرد لوحدي…
ثم نهضت من مكانها، وعدلت سترتها برقة، وقالت:
أقدر أعرف حضرتك مين… عشان أديله خبر؟
ضربت شموع سطح المكتب بكفها، حتى انتفضت السكرتيرة قليلًا، ثم قالت بنفاد صبر:
لا ارتاحي إنتي… بدل ما أنا اللي اجيب خبرك!
واستدارت في الحال، واتجهت نحو باب مكتب يونس بخطوات غاضبة.
شهقت السكرتيرة، وأسرعت خلفها وهي تهتف:
يا مدام… مينفعش تدخلي كده!
توقفت شموع عند الباب، وأدارت رأسها إليها ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت بتهكم:
مدام؟
يعني طالما اعترفتي إني مدام..
يبقى مالك داخلة بيني وبين جوزي ليه؟
ثم دفعت الباب بقوة وهي تهتف:
يــــووووونس!
نهض يونس من خلف مكتبه فجأة، كأن وجودها وحده انتزعه من دوامة أفكاره.
حدق فيها بذهول، قبل أن تستقر عيناه عليها وحدها، وهمس بصوت مبحوح اختلطت فيه الدهشة بالاشتياق:
شموع…؟
التفتت إليه.
وكانت على وشك أن ترد…
لكن الكلمات ماتت فوق شفتيها.
لأول مرة… رأت يونس بهذا الشكل.
عيناه محتقنتان بحمرة موجعة، كأنهما لم تعرفا النوم منذ أيام، وآثار الدموع ما زالت عالقة بين أهدابه.
وجهه شاحب بصورة أخافتها.
ولحيته امتدت بإهمال لم تعهده فيه قط.
حتى ملابسه… كانت مجعدة، غير مرتبة، وكأن صاحبها لم يعد يهتم بشيء.
وتوقفت عيناها عند جسده…
بدا أنحف بكثير من آخر مرة رأته فيها، حتى خُيل إليها أن الوجع التهمه قطعة قطعة.
اقتربت منه دون شعور.
اختفى الغضب الذي جاءت تحمله، ولم يبق داخله سوى خوف صادق.
رفعت يدها بتردد، ثم لامست وجنته برفق، وهمست بصوت مرتعش:
إيه ده…؟
مالك يا يونس…؟
عامل في نفسك كده ليه؟
ظل ينظر إليها للحظات طويلة، وكأنه لا يصدق أنها أمامه.
ثم قال بصوت متحشرج أثقله التعب:
إزاي جيتي لوحدك يا شموع؟
رمشت بعينيها سريعًا حتى تحبس دموعها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة يكسوها الحزن وقالت:
جيت عشان أطمن عليك.
سألت عليك…
وعرفت إنك حابس نفسك هنا بقالك كام يوم.
قلبي…
قلبي كلني عليك يا يونس.
أغمض عينيه لحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة، لا حياة فيها.
وقال بصوت خرج من أعماق قلب أنهكه الألم:
قلبك…كلك عليا؟
عارفة يا شموع…
لولا اللي أنا فيه…
كان زماني أسعد راجل في الدنيا…
بس عشان سمعت منك الكلمة دي.
انعقد حاجبيها في حيرة، بينما ازداد خوفها من ملامحه التي كانت تصرخ بوجع لا تعرفه.
اقتربت خطوة أخرى، وسألته بصوت مرتجف:
وليه مش سعيد يا يونس…؟
وإيه اللي إنت فيه؟
لم يجب فورًا.
خفض رأسه، وأطبق جفنيه بقوة، وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار.
لكن دمعة ثقيلة أفلتت رغم عنه، وانزلقت ببطء فوق وجنته.
رفع عينيه إليها من جديد…
وخرج صوته مبحوح، ممزق ، وكأن كل حرف ينتزع من صدره:
تاليا…بنتي…
عندها سرطان يا شموع…
شهقت شموع شهقة حادة، حتى شعرت وكأن قلبها انكمش داخل صدرها.
اتسعت عيناها بصدمة، وانحدرت دموعها دون أن تشعر، وهمست بصوت مخنوق:
يا حبيبتي… يا بنتي…سرطان؟!
إزاي يعني يا يونس؟! إزاي…؟
إنت متأكد؟
لم يستطع أن يجيبها.
كل ما كان يقاومه طوال الأيام الماضية انهار في لحظة.
اندفع إليها دون وعي، وأحاطها بذراعيه بقوة، كالغريق الذي وجد آخر طوق نجاة، ودفن وجهه في حجابها، بينما انفلتت منه شهقة موجوعة، أعقبها نحيب مكتوم هز جسده كله.
ارتجف صوته وهو يقول بين أنفاس متكسرة:
هموت عليها من الحسرة يا شموع…
دي أحلى حاجة في حياتي…
تاليا هي روحي…
ولو جرالها حاجة…
والله هموت وراها.
أغمضت شموع عينيها بقوة، وانهمرت دموعها فوق وجنتيها.
لم تفكر في شيء…
رفعت كفها وربتت على ظهره بحنان، كما لو كانت تحاول أن تسند قلب أوشك على الانهيار، وهمست بصوت تختنقه العبرة:
بعد الشر…
بعد الشر عليها وعليك يا يونس…
متقولش كده…استهدى بالله… يا حبيبي..
ربنا كبير…
ورحمته أكبر من أي مرض.
وبإذن الله… هتقوم وتبقى أحسن من الأول.
لكن…
قبل أن ينطق يونس بحرف واحد…
شق الصمت صوت مرتفع، يقطر سخرية وحنق:
واضح إنك بتتعب في شغلك أوي…
الله يعينك يا يونس بيه!
وووووو
ساحره القلم ساره احمد

تحفة من قبل مااقرأ ♥️🥰
يسلم قلمك الي ابدع الجمال ده ♥️
بجد تحفة ياريت متتاخريش علينا تانى
تسلم ايدك ياحبيتى 😘
تحفة تسلم ايدك يا قمر ❤️❤️
تحفه ❤️
الفصل تحفه اوي تسلم ايدك ❤️❤️❤️
ياوجع القلب
حلو جدا ياقلبي 💓💓💓
تسلم ايدك بارت ولا اروع بس ليه القفلة اللي ترفع الضغط دي بقي
تسلم ايدك وعيونك ياسارة البارت تحفة كالعادة جميل جدا
البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر ❤️♥️❤️🌹
جميلة جدا هى العيلة دى مش مكتوب لها الفرح ابدا تسلم ايدك يا سارة ياقمر بارت روعه بجد💕💕💕💕💕💕💕
دومتي مبدعة بس يارب عزيز يعيش وبنت يونس تتعالج
تسلم ايدك روعه جدا♥️♥️♥️♥️
الفصل جميل اوي
تسلم ايدك ياحبيبتي
عظمة
ياترى مين اللي جه
الله ينور عليكي بارت روعه
جميلة جداً تسلم ايدك يا قمر
تحفةةة تسلم ايدك يا قلبي ❤️
رائعه
تسلم ايدك يا سوسو ❤️
ايه البارت الجامد ده يا سارة 💗 تسلم ايديكي يا حبيبتي 💓💓💓💓
تسلم ايدك روعه
كنت حاسة ان سعد هو انور والله
تسلم ايدك حبيبتي
روعة
تحفه بجد
جميل جدا جدا
ايه القفله دى مين دى الى دخلت عليهم
دي مين الثقيله اللي دخلت قطعت الرومانسيه وكلمه حبيبي دي
الله لا يسامحها اللي دخلت دي
تسلم ايدك ياسو انا البارت ده خلاني انهار عياط من اول كلمه لأخر كلمه
كالعادة ابدعتي بارت خطيريخلي الواحد يقرأ ومو قادر يوقف
تسلم ايدك ❤️
تسلم ايديك
تسلم ايدك يا ساره البارتي تحفه
البارت خطير اوي بجد
تسلم ايديكي يقلبي
كلهم صعبو عليا والله
تسلم ايدك يا قمر
روعه روعه تسلم ايدك ❤️
البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم❤❤❤❤❤
عظمه ياحبيبتي 🥰🥰🥰🥰🥰
روعه روعه تسلم ايدك ياقلبي
روعه
ايه كميه الشجن ده فصل كله اعتراف بالحب روعه روعه
روووووووووووووعه تسلمى ♥️♥️♥️♥️♥️♥️
اه الفصل ده
خطيرررر
تحفه وروعه