ملكي وكفي( الفصل الثاني وعشرون)
فصولٌ كهذه لا تُقاس بما حدث فيها… بل بما تركته أحداثها في القلوب.
فبعض المعارك تبدأ بخوفٍ لا يُقال، وتنتهي بقلوبٍ أنهكها الصمت أكثر مما أنهكها الألم.
وبعض الرجال لا يفكرون في الرحيل لأنهم لم يعودوا يحبون من حولهم… بل لأنهم تعبوا من حمل الجميع، حتى نسوا أن لهم حقًا في أن يتعبوا.
وبعض الأحضان تأتي في اللحظة التي يصبح فيها الكلام عاجزًا، فتقول دون صوت: أنا هنا… فلا تخف.
وحين تعود الضحكات إلى بيتٍ أرهقته الأيام، وتلتئم القلوب حول بعضها، نظن أن العاصفة انتهت…
لكن القدر أحيانًا يمنحنا لحظة أمانٍ قصيرة، لا ليطمئننا… بل ليجعل الصدمة التالية أكثر قسوة.
فما أقسى أن نضحك ونحن لا نعرف أن الخطر يقترب… وأن نخطط للغد، بينما الغد نفسه يحمل لنا ما لم نستعد له.
لأن بعض العواصف لا تأتي لتُخيفنا فقط… بل لتختبر كم يستطيع القلب أن يتمسك بمن يحب، حين يصبح الخوف أقرب من النجاة.
ظل أحمد صامت.
وبدت على وجوه الجميع تلك النظرة التي تسبق الكارثة…
حين يصمت رجل اعتاد أن يكون أول من يواجه كل شيء، يصبح صمته وحده خبر يخيف أكثر من الكلمات.
اقترب منه شاهين بخطوات متوترة، وقبض على ذراعه، وهتف بصوت حاد، وقد بدأ القلق ينهش ملامحه:
في إيه يا عم أحمد؟! إنت بتلعب بأعصابنا بسكوتك ده ليه؟!
ابتلع أحمد غصته بصعوبة، وكانت عيناه لا تزالان تحملان أثر الصدمة التي تلقاها منذ لحظات.
ثم قبض على ذراع شاهين بقوة، وقال بصوت حاد قطع الهواء من حولهما، ولم يترك مجال لجدال أو سؤال:
تعالى معايا… في مصيبة، ولازم نلحقها.
تجمد الجميع.
لم تكن الجملة طويلة، لكنها سقطت عليهم كحجر في بئر عميق، فأغرقت ما بقي من طمأنينة في المكان.
حتى شاهين لم يشعر بجسده للحظات.
ظل يحدق في وجه أحمد، عاجز عن استيعاب ما الذي يمكن أن يكون أسوأ من كل ما حدث، قبل أن يسحبه أحمد من ذراعه متجه إلى الأسفل بخطوات سريعة متوترة.
كان شاهين يسير خلفه، لكن عقله ظل عالق في تلك الكلمة…
مصيبة.
كأن القدر لم يكتفى بما نال منهم، فقرر أن يفتح لهم باب جديد من الخوف.
وفي الأعلى…
ظلت حور تحدق في أثرهما حتى اختفيا عن عينيها.
ثم ارتجفت أصابعها، وتمسكت بذراع والدتها كأنها آخر شيء ثابت تستطيع التشبث به.
خرج صوتها ضعيف، مبحوح، تختنق به الدموع: شـ… شاهين…
التفتت شهد إليها في اللحظة نفسها.
لم تسألها ماذا تريد، ولم تطلب منها أن تهدأ وهي ترتجف؛ فقط جذبتها إلى صدرها، وأحاطتها بذراعيها بحنان أمومي عميق، كأنها تحاول أن تبني حول ابنتها جدار من الأمان يحجب عنها كل ما تخشاه.
راحت تربت على منكبها ببطء، ودموعها تنساب فوق وجنتيها وهي تهمس:
اهدي يا حبيبتي… عشان متتعبيش… دلوقتي يرجعوا بالسلامة يا بنتي… متخافيش.
دفنت حور وجهها في صدر أمها، وأغمضت عينيها بقوة.
كان حضنها هذه المرة مختلف…
لم يكن حضن امرأة تضم ابنتها فقط، بل حضن أم تشعر أن ابنتها قد تفلت من بين يديها في أي لحظة، فتحاول أن تضغط عليها أكثر، وكأن ذراعيها قادرتان على إيقاف القدر نفسه.
أما حور…
فلم تجد ما تقوله.
فقط تشبثت بوالدتها أكثر، وانهمرت دموعها بصمت.
وفي مكان ما أسفل ذلك البيت…
كان رجلان يهبطان نحو مصيبة لا يعرف أحد حجمها بعد.
بينما بقيت امرأتان في الأعلى، تتشبث إحداهما بالأخرى…
وكأن الجميع، للمرة الأولى، أدركوا أن الفراق ليس دائمًا سفر بعيد…
أحيانًا يبدأ الفراق بكلمة واحدة:
تعالى معايا…
……………….
أمام المستشفى…
ترجل أحمد من السيارة بخطوات متعجلة، ولحق به شاهين مسرعًا، وقد كانت ملامحه مشدودة على نحو ينذر بانفجار وشيك.
لم ينتظر حتى يبتعدا عن السيارة، بل التفت إليه بعينين تشتعلان غضب وقلق، وهتف بصوت حاد:
إنت جايبني هنا ليه؟! وعشان مين؟!
لم يجبه أحمد مباشرة.
اكتفى بأن أشار بيده نحو أحد الأطباء الواقفين على مقربة من مدخل المستشفى، ثم قال بصوت ثقيل: دلوقتي هتفهم كل حاجة.
توقف شاهين في مكانه.
أخذت عيناه تدوران حول المكان بذهول متصاعد، فقد كان مدخل المستشفى يعج بعدد كبير من العساكر والضباط، بينما تحرك رجال الأمن في كل اتجاه، والوجوم يكسو الوجوه، وكأن المكان بأكمله يخفي خلف جدرانه شيئًا أكبر من مجرد إصابة عابرة.
ضاقت عينا شاهين.
وبدأ شيء بارد يتسلل إلى صدره.
اقترب منهما أحد الأطباء، ثم سأل وهو ينظر إلى أحمد: حضرتك الأستاذ أحمد؟
أومأ أحمد برأسه، وقد شعر بأن دقات قلبه تنكمش داخل صدره، وقال بقلق:
أيوه… أنا… خير يا دكتور؟ أنور جراله إيه؟
التفت شاهين إليه فجأة، وقد اشتعلت عيناه بمزيج من الغضب والخذلان، وصاح:
إنت جبتني هنا وفوت عليا الطيارة عشان ابن ميتين الكلب ده؟! محسسني إنه بني آدم!
رفع أحمد كفه محاولًا إسكاته، وقال بضيق:
ممكن تهدى وتسمع؟!
ظل شاهين يحدق فيه لحظات، ثم زفر بعنف وصمت على مضض.
التفت إلى الطبيب، وقال بحدة:
في إيه يا دكتور؟
ضم الطبيب شفتيه، وبدا التردد واضح في ملامحه قبل أن يقول:
الاتنين حاليًا في العناية… وحالتهم حرجة.
اتسعت عينا شاهين بدهشة، وسأل فورًا:
يعني اللي اسمه أنور ده عايش؟
أومأ الطبيب ببطء:
لحد دلوقتي… أيوه….
بس حالته حرجة جدًا، وإحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه عشان نسيطر على حالته.
بقي شاهين صامت لثواني، ثم التفت أحمد إلى الطبيب وسأله بثقل:
والتاني؟ اللي اسمه عابدين؟
أومأ الطبيب مرة أخرى:
حالته برضه حرجة…الجرح اللي في بطنه عميق، وهو نزف دم كتير، وعشان كده اتحط في العناية المركزة وتحت الملاحظة المستمرة. الساعات الجاية مهمة جدًا.
سقطت الكلمات بينهما بثقل.
لكن شاهين لم يبد عليه التأثر.
بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باردة، وقال باحتقار:
كويس إنكم لقيتوه عنده دم أصلًا…
ده خنزير منقرض.
رمقه أحمد بنظرة حادة، بينما اكتفى الطبيب بالصمت.
أما شاهين، فرفع عينيه نحو أبواب العناية المغلقة.
كان يعلم أن خلف تلك الأبواب رجلين يتصارعان مع الموت…
أحدهما يحمل في جسده طعنة جاءت من يد رجل ظنه حليف، والآخر يحمل في جسده ثأر ظل ينزف داخله سنوات.
لكن شاهين لم يكن يعرف بعد…
أن وجود أنور وعابدين في تلك العناية لم يكن نهاية الحكاية.
بل كان الباب الذي سيفتح على مصائب أخطر بكثير مما تخيل.
انصرف شاهين إلى الخارج بخطوات عاصفة، كأن بقاءه لحظة أخرى داخل ذلك المكان سيخنقه…
بينما أسرع أحمد خلفه، حتى لحق به عند بوابة المستشفى، وقبض على ذراعه وسحبها إلى الخلف وهدر :
استنى هنا! إنت رايح فين؟
مفيش سفر يا شاهين.
انتفض شاهين وسحب ذراعه بعنف من قبضته، ثم استدار إليه صارخًا، وقد كان الغضب يختلط في عينيه بوجع أعمق من أن يخفى:
همشي! وأحاول ألاقي حجز مكان اللي ضيعته عليا.
اندفع أحمد نحوه وقبض على ذراعيه معًا، مثبت إياه أمامه، وهدر بصوت ارتجف من شدة الانفعال:
فوق بقى يا شاهين! فوق! أهم خلاص هيموتوا… وأسرارهم هتموت معاهم!
ضحك شاهين ضحكة قصيرة مكسورة، لا تشبه الضحك في شيء، ثم هتف بصوت متحشرج اختنق في آخره:
وأنا إيه يضمنلي ….وليه أعيش طول حياتي خايف؟!
ما أنا أغور… آخد مراتي وأبعد! وكفاية أوي اللي عشته! سيبني أعوضها يا عم أحمد عن كل اللي فات… سيبني بالله عليك!
ازدادت قبضة أحمد على ذراعيه، كأن الرجل لم يعد يمسك بشاهين بقدر ما كان يتشبث بحياته هو.
هدر بصوت حاد، موجوع:
لا يا شاهين… مش هتسافر على جثتي! أسيبك يا ابني؟!
وانزلقت دمعة ساخنة من عين أحمد، لكنه لم يمسحها.
تركها تسقط أمام شاهين كأنها اعتراف عجز عن قوله طوال سنوات.
ثم تابع، وصوته يرتجف بالغضب والألم:
فاكر لما زكريا جاتله بعثة إنجلترا؟
مين اللي وقفل له؟ ولا ياسين لما كان هيموت ويسافر مع أصحابه أمريكا…
مين اللي رجعه؟ مش إنت؟!
صمت لحظة، ثم اقترب منه أكثر، وكأن كل كلمة تخرج من صدره محملة بسنوات كاملة:
فاكر يونس؟ بعد ما طلق المخفية اللي اسمها نرجس وكان عايز يهج… مين اللي رجعه؟ مش إنت؟!
ارتعشت أنفاس شاهين.
لكن أحمد لم يتراجع :
ليه بعد كل ده عايز تفرط في السبحة يا ابن أخويا؟! وإنت عارف كويس إن لو حباية واحدة شردت… الكل هيضيع وراها!
اهتز جسد شاهين من الغضب.
كانت عيناه تلمعان بدموع رفض أن يسمح لها بالسقوط، لكن صوته خان كبرياءه هذه المرة : طول عمري بلم وأحبي عليهم… كأني مش من حقي أتعب! ولا أنهار! ولا حتى أشتكي!
ارتجف فكه، وانفلتت منه صرخة خرجت من أعمق مكان في صدره:
حتى إنت… طلعت روحي عشان تسيبلي حور! أنا ليه؟! ليه مكتوب عليا أدوق العذاب من أقرب الناس ليا؟!
توقف أحمد.
وكأن كلمات شاهين أصابته في موضع لم يكن مستعد لأن يصاب فيه.
أفلت إحدى ذراعيه ببطء، لكنه ظل ممسك بالأخرى، ثم أشار إلى صدره بأصابع مرتجفة، وقال بصوت مبحوح:
أنا عارف إني زعلتك… وحقك عليا.
ابتلع غصته، وأكمل:
أنا كنت خايف… زي ما إنت خايف.
ثم هز رأسه بأسى، وعيناه معلقتان بعيني شاهين:
شايفك شيلت على كتافك، وعمرك ما اشتكيت… كل مرة كنت بشوفك بتبلع وجعك وتسكت، وأقول…خلاص… شاهين قدها.
انكسرت نبرة صوته أكثر: بس أنا غلطت.
سحب نفس عميق ، وكأنه ينتزع الكلمات من بين ضلوعه:
قولت أشيل مكانك مُرك…
زي ما إنت شايل مُر البيت بحاله على كتافك.
تجمد شاهين أمامه.
ولأول مرة منذ بداية المواجهة، لم يجد كلمة يرد بها.
لأول مرة لم يكن أمامه خصم يهاجمه، ولا خطر يحاربه، ولا قرار يستطيع أن يحسمه بقوة إرادته.
كان أمامه فقط…
عمه.
الرجل الذي، رغم قسوته، كان يقول له الآن شيئًا لم يسمعه طوال عمره:
أنا شايف تعبك يا ابني.
وسقطت دمعة من عين شاهين.
وحيدة…
عنيدة…
كأنها آخر شيء بقي فيه لم يستطع أن يأمره بالبقاء.
ظل ينظر إلى أحمد، والغضب في عينيه يتصارع مع شيء آخر…
شيء أكثر ضعف..
شيء يشبه ذلك الطفل الذي ظل شاهين يخفيه خلف كتفي الرجل الذي اعتاد الجميع أن يرونه صلب، لا ينحني ولا ينكسر.
أما أحمد، فكان ينظر إليه وكأنه يراه للمرة الأولى…
لا كرجل العائلة الذي يحمل الجميع فوق ظهره، بل كابن أنهكه الحمل حتى كاد يسقط تحته.
وفجأة، توقفت سيارة بجوارهما على عجل، فانفتحت أبوابها دفعه واحده ،
وترجل منها يونس وياسين وزكريا، ثم اندفع الثلاثة نحوهم بخطوات سريعة متوترة،
وقد ارتسم القلق على وجوههم بعدما رأوا أحمد وشاهين واقفين في مواجهة بعضهما بهذا الشكل.
كان أول من وصل إليهما زكريا، فهتف بصوته الأجش الذي ارتجف رغم محاولته إخفاء قلقه:
في إيه يا عم أحمد؟ وقعت قلبنا يا راجل!
التفت أحمد وشاهين إليه وإلى شقيقيه بدهشة، وكأن وجودهم في تلك اللحظة لم يكن في الحسبان.
لكن أحمد لم يمهلهم فرصة للسؤال أكثر، فأشار إلى شاهين بلهفة، وقال:
تعالى يا زكريا… تعالوا كلكم…
شاهين عايز يسيبكم… ويسبنا ويسافر!
تجمدت ملامح الإخوة الثلاثة.
حل عليهم صمت ثقيل للحظات، امتزج فيه الذهول بالغضب، قبل أن يندفع يونس نحو شاهين، يقبض على ذراعه ويهزه بعنف:
يعني إيه سفر؟! سفر إيه يا شاهين؟! وتسيبنا إزاي؟! إنت اتجننت؟!
هز شاهين رأسه نافيًا، ثم قال بصوت خافت أنهكه الغضب أكثر مما أرهقه الصراخ:
لا… عاقل… بس محتاج أبعد شوية… عشان لو قعدت أكتر من كده هتجنن.
نظر إليه زكريا طويلًا، وكأنه يحاول أن يفهم ما وراء الكلمات، ثم قال بدهشة:
طيب إيه اللي حصل عشان كل ده؟
رفع شاهين عينيه إليه، ثم التفت إلى أحمد.
كانت عيناه محتقنتين بالغضب، وفيهما شيء آخر أكثر وجعًا من الغضب نفسه.
هدر: كتير…
سكت لحظة، ثم ابتلع غصته وأردف:
اللي حصل كتير… ومن كتره مش قادر أقوله.
ساد الصمت من جديد.
اقترب ياسين منه، وربت على منكبه في هدوء، وقال بحسرة عميقة:
يا سيدي متقولش… انسى… وعديها ..
الحمد لله إن ربنا خلقلنا النسيان.
ثم ضغط على كتفه برفق:
انسى يا شاهين… وطول ما مراتك بخير، مفيش أهم من كده.
أغمض شاهين عينيه للحظة.
كأن جملة ياسين لامست أكثر موضع يؤلمه.
مرت في رأسه صورة حور، وجهها، خوفها، ارتجاف صوتها وهي تسأله إلى أين سيذهب…
فانخفضت حدة غضبه قليلًا، لكن التعب ظل جاثم فوق ملامحه.
اقترب زكريا منه، ثم أحاط ذراعه بذراعه، وقال بنبرة هادئة حاول أن يجعلها عادية، لكنها خرجت مثقلة برجاء واضح:
وبعدين؟ أنا محتاجلك بكرة عشان أخطب الغزال… هروح من غير أب يعني يا شاهين؟
استقرت الكلمات في صدر شاهين كطعنة هادئة.
رفع عينيه إليه.
كانت عيناه تلمعان بالدموع التي قاومها طويلًا، قبل أن يهمس بصوت خافت:
بكرة…
توقفت أنفاس زكريا.
أما شاهين فظل ينظر إليه، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة مكسورة، وقال:
بكرة إيه؟
أجاب زكريا وهو يشد ذراعه حوله:
بكرة هتكون واقف جنبي… زي ما وقفت جنبنا طول عمرك.
ظل شاهين صامت..
لكن دمعة واحدة خانته، وانزلقت على خده.
ولم يمسحها.
لأنها هذه المرة لم تكن دمعة رجل ضعيف…
بل دمعة رجل أدرك أن هناك أشياء في هذه الحياة لا يستطيع الرحيل عنها، حتى لو كان الرحيل أرحم لقلبه.
أومأ ياسين برأسه، وهتف بحنق مصطنع:
آه… قلبه.
لكزه زكريا في كتفه بحنق، وهتف بحدة:
جاك وجع قلبك وصرمك يا يالا!
انفجر يونس ضاحكًا، ثم حاوط ذراع شاهين من الجهة الأخرى، وقال بمرح مشاكس:
وأنا كمان! البت مسكت نرجس، سحلتها وشفت غليلي فيها من أيام ما كنت متجوزها… وأنا واجب ألمها بقى، وأتجوزها قبل ما تمشي تعض في الناس!
رمقه شاهين بنظرة حادة، فرفع ياسين حاجبه، ثم أشار إليه بإصبعه في عبث وقال:
وأنا كمان عايز أروح أخطب الواد التمرجي اللي عليه عود! جابلي كرشة نفس… يبقى تخلي عندك دم وتروح معايا للخال.
فتح شاهين فمه كي يرد، إلا أن أحمد قاطعه بصوت حاني، وقد بدا عليه أنه لا يريد أن تعود المشادة بينهم من جديد:
خلاص بقى… لسه هنتكلم.
وقبل أن يضيف كلمة أخرى، شق الصمت رنين هاتف شاهين.
توقفت الأنظار جميعها عنده.
أخرج شاهين هاتفه سريعًا، وما إن لمح اسم المتصل حتى تبدلت ملامحه في لحظة، وانطفأ ما تبقى من الغضب في عينيه، ثم رفع الهاتف إلى أذنه وقال بصوت حنون لا يشبه صوته منذ دقائق:
ألو… يا حبيبي، إنتي كويسة يا بابا؟
جاءه صوت حور من الطرف الآخر مضطرب، خافت، ترتجف بين حروفه نبرة خوف لم تستطع إخفاءها:
إنت فين يا حبيبي؟ أنا قلقت عليك أوي.
أغمض شاهين عينيه للحظة، وكأن مجرد سماع صوتها أعاد قلبه إلى مكانه.
ابتعد عن إخوته خطوات، وأعطاهم ظهره، ثم غمغم بنبرة حانية لا تخرج إلا لها:
متقلقيش يا عمري، أنا جاي حالًا… بس إنتي متتكلميش كتير… إنتي بتعملي إيه؟
جاءه صوتها منهك، لكنه حمل شيئًا من الدلال رغم تعبها:
قاعدة مع ماما… وماما وشموع وأنين.
رفع شاهين حاجبه بحنق، وقال ساخرًا:
قاعدة مع كل دول مرة واحدة؟! طيب اللي يدخل من الودن دي يقع من التانية… ماشي يا بت عمري؟
ابتسمت حور بوهن، وتسرب الدلال إلى همستها: شكلك فاهم يا نصه.
عض شاهين شفته بقوة كي يمنع ابتسامته، ثم غمغم بحنان مشوب بالقلق:
عمر نصه يا بت، والنبي ما تضحكي… خلاص، يلعن أبوهم كلهم! أنا هاجي وأنفخهم ليكي، بس اهدي وكفاية كلام وضحك، ماشي يا حور عيني؟
أومأت حور برأسها رغم أنه لا يراها، وهمست بطاعة:حاضر.
بقي شاهين لحظة صامت، يستمع إلى أنفاسها، وكأنه يتأكد أنها ما زالت بخير، ثم قال بهدوء:
خليكي قاعدة وماتتحركيش، وأنا جاي.
أغلق الهاتف أخيرًا، وظل محدق في الشاشة لثانية قبل أن يخفضها.
ثم استدار إليهم.
عادت ملامحه متهجمة، لكن القلق هذه المرة كان أوضح من الغضب، وقال بلهجة حاسمة:
يلا نروح… عشان حور صوتها تعبان.
نظر إليه يونس ولوح بيده باعتراض ساخر، وقال:
يعني أول ما الغندورة عملتلك ترن ترن، جريت يا أخويا عليّا!
أشار إليه زكريا بحنق مصطنع، وهتف:
ما إحنا عاملين نتحايل عليك من بدري! كنت شايفني هوا ولا إيه؟
هز ياسين رأسه نافيًا، ثم غمغم بنبرة مستفزة:
لا… كان شايفني خولا* صح!
لم يمهله أحمد، فمد يده ولكزه على قفاه بحنق، وهتف:
مين دول اللي خولا* يا عر*؟!
فرك ياسين قفاه، ثم أشار بيده سريعًا، وقال بحدة مصطنعة:
لا، مش قصدي إنت! أنا قصدي كلنا إلا إنت… إنت رتبتك أكيد أعلى مننا كلنا.
انفجر يونس وزكريا بالضحك، بينما عض شاهين شفته محاولًا كتم ابتسامته، ثم ألقى عليهم نظرة حادة وكأنه يهددهم جميعًا بالصمت.
استدار بعدها نحو سيارته، وفتح الباب، ثم صعد إليها وأدار محركها.
وما إن انطلقت السيارة حتى تحركت خلفها سيارة الإخوة، واستقلّها أحمد ويونس وياسين وزكريا، ثم انطلقوا خلف شاهين بسرعة عالية.
كانت السيارات تشق الطريق، بينما ظل شاهين يقود بعينين ثابتتين على الطريق أمامه، لكن قلبه كان في مكان آخر…
عند حور.
فكل دقيقة يقضيها بعيدًا عنها أصبحت في تلك اللحظة أثقل من أن يحتملها قلبه.
………..
أمام منزل المهدي
صف شاهين سيارته كيفما اتفق أمام المنزل، حتى كاد باب السيارة أن يغلق على غير انتظام….
ثم ترجل منها على عجل، وسحب الحقيبة التي جلبها من أجل حور.
وما إن رفع رأسه حتى وقعت عيناه على سيارة الإسعاف المتوقفة أمام المنزل.
تجمد للحظة، وعقد حاجبيه، وقبل أن ينطق بكلمة، كان أحمد قد ترجل من السيارة الأخرى واتجه مباشرة إلى سائق الإسعاف، وربت على منكبه قائلًا بنبرة حاسمة:
خلاص يا رجالة، اتوكلوا على الله…
تعبناكم معانا.
التفت أحد الرجال إليه، وقال بدهشة:
يعني إيه؟ نطلع الشنط تاني يا كبير؟
أومأ أحمد برأسه، ثم أخرج من جيبه عدة أوراق نقدية، دسها في جيب السائق، وهتف بلهجة لا تقبل نقاش: طلع يالا إنت وهو الشنط.
حدق شاهين فيه لثواني، وقد امتزجت الدهشة في عينيه بحنق متصاعد، ثم صاح:
إنت قررت خلاص يعني؟!
هو أنا كلامي ملوش لازمة؟
استدار أحمد إليه، واقترب منه في هدوء، ثم ربت على منكبه بحنو وكأنه يهدئ طفل غاضب، وقال:
ما خلصنا بقى يا معلم شاهين! أقولك اتجوز البت، وهاتلي حتة عيل… وبعدها غور براحتك.
اتسعت عينا شاهين لحظة، ثم أطبق فمه بضيق، وأومأ برأسه بنزق:
حاضر يا عم أحمد… حاضر.
وقبض على الحقيبة بقوة، ثم تحرك نحو مدخل المنزل بخطوات سريعة، وكأنه يريد أن يسبق الجميع إلى حور قبل أن يكتشف أحد أنه، رغم كل عناده، كان في الحقيقة يريد الشيء نفسه الذي أصر أحمد عليه…
أن يعود إليهم..
ابتسم أحمد في أثره، ثم التفت إلى رجال الإسعاف وقال بصرامة: يالا يا رجالة… الشنط جوه.
تعلقت عينا زكريا بظهر شاهين وهو يبتعد مسرعًا نحو المنزل، فغمغم بحنق مصطنع:
اجري اجري يا أخويا… أول ما القطة تنونو تجري على طول!
عض يونس شفته بعبث، وقال وهو يراقب شاهين باستهزاء:
ابن الكلب… هو الوحيد اللي عارف يحضن ويبوس ويشيل ويهنن!
أسند زكريا ظهره إلى السيارة، وعقد ذراعيه أمام صدره، ثم غمغم بثقة ساخرة:
آه والله… محظوظ.
رفع ياسين حاجبه بمكر مستفز، والتفت إليه قائلًا: أهااااا… وإنت ما شلتش يا زيكو؟
رفع زكريا حاجبه بالقدر نفسه من المكر، ورد عليه فورًا:
وإنت ما هننتش قالع يالا؟!
شهق يونس ضاحكًا، ثم ضرب كف بكف وهتف:
إنتوا بتعايروا بعض بإيه يا ولاد الكلب منك له؟!
وانطلق ياسين نحو مدخل المنزل وهو يضحك، ولوح لهم بيده قائلًا:
آه لا تعايرني ولا أعايرك…
الشيل طايلني وطايلك!
يلا نطلع نتفرج على محن شاهين وحور.
انفجر الثلاثة بالضحك، ثم لحقوا به متجهين إلى الداخل، وصعدوا الدرج بخطوات سريعة، وقد نسوا للحظات ثقل ما حدث في المستشفى…
فبعض العائلات لا تعرف كيف تخفف خوفها إلا بالسخرية، ولا كيف تعلن حبها إلا بإزعاج بعضها البعض حتى الموت.
…………………….
في شقة فوزية
ما إن دوى طرق الباب حتى اندفعت فوزية نحوه بخطوات متعجلة، وفتحته بلهفة اختلط فيها الفزع بالرجاء…
وما إن وقع بصرها على شاهين حتى شهقت، وراحت عيناها تتفحصانه من رأسه حتى قدميه:
شاهين يا حبيبي! جرى إيه يا ابني؟! عمك أحمد خدك وجري ليه؟
مد شاهين يده وربت على منكبيها مطمئن إياها، ثم قال بهدوء حاول أن يخفي خلفه ما يعتمل في صدره:
متخفيش ياما، حوار كده في الشغل كان لازم أخلصه.
أومأت فوزية برأسها، لكنها لم تبدُ مقتنعة تمامًا، وابتلعت غصتها بصعوبة قبل أن تهمس:وبردك هتسافر وتسيبنا يا ابني؟
نظر إليها شاهين طويلًا، وقد رق قلبه لرؤيتها بهذا الخوف، ثم ارتسمت على جانب فمه ابتسامة صغيرة وقال:
انتي عايزة إيه يا فوزية؟
شهقت فوزية بسعادة، وكأنها لم تكن تنتظر أكثر من تلك الكلمة، وانقضت عليه تضمه إلى صدرها بحنان ممتزج بفرحة عارمة، وهي تهتف:
لا! طالما قولت فوزية يبقى مش هتسافر وتسيبنا يا ابن الجذمة!
ضحك شاهين وربت على منكبيها، ثم تراجع عنها قليلًا وقال بضجر مصطنع:
أوعي بقى يا ولية، عايز أشوف مراتي.
أشارت إليه فوزية بيدها بحنق مصطنع، وتنحت جانبا وهي تهتف:
ادخلي يا أخويا، لنكون أكلنا منها حتة! نسوان آخر زمن!
توقف شاهين عند الكلمة، وأشار إليها بإصبعه محذراً وهو يهتف:
أهي أم الكلمة النحس دي! كل ما تقوليها الدنيا تتعقرب زيادة! ولا هتبقى نسوان في سنتها الطين!
انفجرت فوزية بالضحك، ثم عادت فضمت وجهه بين يديها لحظة بحنان أمومي، وقالت وهي تربت على صدره:
ربنا ما يحرمنيش منك يا ابن عمري،
ولا من زفارة لسانك يا ابن الكلب.
ضحك شاهين وهز رأسه، ثم قال ساخرًا:
إيه ده؟! يعني الملائكة دلوقتي مش عارفين يكتبولك حسنة ولا سيئة؟ إنتي واقفة في الأفصايد!
ربتت فوزية على صدره، وقالت بثقة وهي تضحك:
لا، في الحسنات يا عين أمك! عشان ربنا عارف إني بحبك، بس بحب أهزق اللي جابك.
قهقه شاهين، ثم حاول أن يتجاوزها نحو الداخل، إلا أن صوتها أوقفه:
خش يا ابني… شوف البت اللي جوه دي. من ساعة ما نزلت وهي لا كلت، ولا شربت، ولا حتى شالت الكمامة من على بقها.
توقفت ابتسامة شاهين في مكانها.
وانطفأت خفة المزاح عن ملامحه دفعة واحدة، كأن جملة فوزية انتزعت منه آخر ذرة طمأنينة.
التفت إليها سريعًا وقال بقلق:
من ساعة ما نزلت؟! يعني إيه؟ حور مالها؟
تنهدت فوزية وربتت على ذراعه:
هي كويسة، بس مرهقة وخايفة عليك… ادخل لها يا حبيبي، يمكن لما تشوفك تهدى.
وقبل أن يخطو شاهين خطوة واحدة إلى الداخل، دوت خلفه أصوات أقدام متعجلة،
ثم ظهر أحمد يتقدمه زكريا ويونس وياسين، حتى توقفوا جميعًا عند المدخل،
ونظروا بين شاهين وفوزية بدهشة، كأنهم وجدوه واقفًا في موضع لا يليق برجل كان منذ دقائق على وشك أن يقلب الدنيا فوق رؤوسهم.
قطّب أحمد حاجبيه، وقال باستنكار:
إنت لسه واقف؟ مدخلتش ليه؟
التفت شاهين إليه ببطء، ولمعت عيناه بمكر مستفز، تختلط به لمحة خبث جعلت أحمد يعرف من اللحظة الأولى أن المصيبة قادمة لا محالة، ثم قال وهو يرفع حاجبه:
يسمع من بؤك ربنا والله… نفسي أدخل، بس إنت شايف الظروف. دعواتك يا عم أحمد.
عض أحمد شفته بقوة، يحبس كلمة نابية كادت تفلت من بين أسنانه، ثم أخذ نفس عميق يحاول ابتلاع غضبه، وقال من بين أسنانه:
طول ما نيتك كده، عمر ربنا ما هيكرمك بسرير! أنا إيه اللي خبطني في دماغي وخلاني أرجعك؟! غور يالا سافر… بس سيب البت وارحمني من لسانك الزفر.
رفع شاهين يده باعتراض مصطنع، وقال ببراءة لا تخلو من الوقاحة:
أنا دلوقتي نيتي سالكة، وكله بالحلال يا معلم.
رمقه أحمد بنظرة قاتلة، ثم دفعه من كتفه إلى الداخل بحنق:
طيب غور خش! جاتك داهية في ملفظك اللي تحرق الدم!
رفع زكريا حاجبه، وقال بجدية مصطنعة:
يخش تاني؟
انفجر يونس وياسين بالضحك، بينما استدار أحمد إليهم وكأنه على وشك ارتكاب جريمة جماعية، ثم دفع شاهين مرة أخرى وهو يشير إلى الداخل:
قصدي تعال جوه! جاتكم داهية…
عيال تربيتكم زبالة!
قهقه زكريا وهو يربت على كتف ياسين، بينما وضع يونس يده على فمه يحاول عبث كتم ضحكته.
أما شاهين، فاكتفى بأن ألقى على أحمد نظرة جانبية ماكرة، ثم تحرك إلى الداخل وهو يتمتم:
أهو الواحد داخل بالحلال وبرضه مفيش رضا…
هتف أحمد خلفه: اسكت يا ابن الكلب!
تعالت الضحكات من جديد، حتى فوزية نفسها لم تستطع منع ابتسامتها، ثم أغلقت الباب خلفهم، لتبقى الضوضاء والضحكات حبيسة الشقة…
بينما في الداخل، كانت حور تنتظر الرجل الذي لم يكن يعلم أن قلبه كله تركه عندها منذ لحظة سماع صوتها.
في الداخل
ما إن وقعت عينا حور على شاهين، حتى شهقت من تحت قناع الأكسجين شهقة واهنة، كأن مجرد رؤيته أعاد إلى قلبها بعض مما سلبه منه الخوف.
رفعت يديها نحوه بضعف، ولم يخرج من بين شفتيها سوى همسة خافتة مبحوحة:
شينو…
لم يحتج شاهين إلى أكثر من تلك الهمسة.
اندفع إليها كمن كان ينتظرها منذ دهر، وأفلت الحقيبة من يده لتسقط جانبًا دون أن يلتفت إليها…
ثم انحنى فوقها وحملها بين ذراعيه بحذر شديد، وجلس على الأريكة واضعًا إياها فوق ساقيه، كأنها شيء ثمين يخشى أن تؤذيه مجرد حركة زائدة.
أحاط خصرها بذراعه، وأسندها إلى صدره، ثم رفع قناع الأكسجين عن فمها برفق بالغ، فقط بالقدر الذي يسمح له برؤية وجهها كاملًا، وهمس لها بصوت لم يعرفه أحد منهم من قبل: عاملة إيه يا نن عين شينو؟
ساد الصمت.
صمت قصير… لكنه كان كافي لأن تلتفت إليه كل العيون.
فتح الجميع أفواههم بدهشة، وكاد أحمد يتحرك من مكانه، إلا أن شهد أمسكت بذراعه سريعًا، ونظرت إليه بتحذير صريح.
توقف أحمد في مكانه، وعض شفته بغيظ، وقد اشتعلت في عينيه غيرة مضحكة من ذلك التدليل الذي لم يحصل عليه شاهين إلا بعد أن كاد الرجل يهدم الدنيا فوق رؤوسهم.
أما شاهين، فلم يبد عليه أنه لاحظ شيئًا.
كان كل اهتمامه منصب على حور.
رفع عينيه أخيرًا إلى
الوجوه المتجمدة أمامه، وقال بحنق: في إيه؟ مالكم؟
أشار أحمد بيده بعصبية:
إحنا اللي في إيه؟ ولا إنت اللي في إيه يا قادر؟!
ضم شاهين حور إلى صدره أكثر، وكأن السؤال نفسه لا يستحق عناء الإجابة، ثم قال ببرود مستفز:
مراتي… وأنا حر….
عندك اعتراض؟ ولا أسافر؟
اتسعت عينا أحمد، وكأنه تذكر في اللحظة ذاتها لماذا أعاد هذا الرجل من الرحيل أصلًا.
زفر بغضب مصطنع، ولوح بيده في الهواء، بينما تدخل زكريا سريعًا وهو يشير إلى حور:
يا عم سيبه! يعني هيعمل إيه؟ ما البت ماشية بأنبوبة الأكسجين أهو! اهدى يا أبو حميد، خليها تفتح على الكل، الله يرضيك.
انفجر الجميع بالضحك، حتى شهد أخفت ابتسامتها خلف يدها.
أما أحمد، فحدق فيهم جميعًا بنظرة ناقمة، ثم تمتم:
أهو ده اللي ناقص… عيال سايبين تموتوا من الغيظ ولا كأنه لسه خارج من مصيبة!
ضحك شاهين، وانحنى قبل جبينها بحنان، قبل أن يهمس:
سيبك منهم يا عمري… إنتي بس خليكي معايا.
وقف يونس إلى جوار شموع، وكأن قربها وحده لم يعد يكفيه بعد ذلك الفراق، فمرر ذراعه خلف ظهرها وأحاط خصرها بها، ثم مال نحوها هامس بصوت غارق في الاشتياق: وحشتيني يا شمعتي.
ارتسمت على شفتي شموع ابتسامة رقيقة، وسرعان ما عضت شفتها بخجل، ثم قبضت على يده وسحبتها من فوق خصرها برفق، وهمست محذرة:
وإنت كمان… بس لم إيدك، الناس حوالينا.
اقترب منها أكثر، وأسند ذقنه إلى منكبها، ثم قال بخبث طفولي:
إنتي مش شايفة شاهين حاطط حور على رجله؟ الدنيا زبادي خلاط أهو.
رفعت شموع منكبها قليلًا تحت ذقنه، وقالت بدلال خافت كاد يذهب بعقل الرجل:
دي مراته، وهو جوزها يا أنوس.
ابتسم يونس، ثم رفع يدها إلى فمه وطبع على باطنها قبلة حانية، وقال بصوت دافئ:
كلها كام يوم وتبقي مراتي أنا كمان يا قلب أنوس.
ازداد خجلها، فسحبت يدها بخفة وهمست:
لما أبقى مراتك بقى… ابقي بوس …
أوعى كده وبطل قلة أدب.
رفع يونس حاجبه بدهشة مصطنعة، وتمتم وهو ينظر إليها ببراءة لا تصدق:
هي فين قلة الأدب يا بت؟
دانا بوسة إيدك بس!
فدفعته بكوعها في صدره، وهمست وهي تحاول كتم ابتسامتها:
ما هو أول الرقص حنجلة يا أخويا! الأول بوسة إيد، وبعدها حضن، وبعدين يجبونا منين؟
قبض يونس على يدها مرة أخرى، وانخفض صوته إلى همس أجش دافئة:
تعالي البلكونة وأنا أقولك.
رفعت حاجبيها بدهشة، والتفتت إليه بنظرة مشاكسة:
كمان في البلكونة؟ دانت قلبك ميت بقى!
عض يونس شفته بعبث، وقال وهو يحاول تبرئة نفسه:
يخرب بيتك إنتي! فهمتي إيه يا بت؟
لكزته فوق صدره، ثم انصرفت وهي تتمتم بخجل ودلال: فهمت اللي في دماغك يا روحي.
وانسابت إلى المطبخ بخطوات متهادية، تاركة خلفها رجل ظل واقف مكانه للحظات، يتابعها بعينين لا تخفيان افتتانه بها.
بلع يونس ريقه، وزفر ببطء، ثم تمتم لنفسه وهو يضع كفه على صدره: عطشان يا ناس بقى…
علي الجهه الأخري….
اقترب ياسين من خلف أنين، وانحنى قليلًا حتى لامست همسته أذنها، وقال بعبث يليق به:
شوفتي؟ إحنا عيلة بجحة وقليلة الأدب إزاي؟
شهقت أنين بخجل، وأخفضت عينيها إلى الأرض، بينما اشتعلت وجنتاها بحمرة آسرة، وتمتمت بصوت خافت:
جوي… جوي.
مرر ياسين أطراف أصابعه على ظهرها في مشاكسة، ثم همس بخبث جعل الخجل يتضاعف على ملامحها:
بس خلي بالك… إحنا لما نكتب كتابنا، الأداء عندنا هيبقى أعلى من كده بكتير. إحنا إصدار محن ألفين وستة وعشرين… برو ماكس!
اتسعت عينا أنين في ذهول ممزوج بالخجل، وابتعدت عنه سريعًا وهي تتمتم بتهديد واهن:
لم إيدك يا ياسين، هجبها ليك!
كتم ياسين ضحكته بصعوبة، ورفع يديه باستسلام مصطنع، ثم قال بنبرة مدللة:
أهون عليكب يا غصن لبان؟
هزت أنين رأسها، ودفعته بوهنٍد في صدره، ثم أسرعت نحو المطبخ هربا من مشاكسته، بينما ظل ياسين يتابعها بعينين تلمعان بالعبث.
وقبل أن تختفي تمامًا خلف باب المطبخ، رفع يده وأرسل إليها قبلة في الهواء.
توقفت أنين للحظة، واتسعت عيناها في صدمة خجولة، قبل أن تختفي سريعًا عن أنظاره، بينما انفلتت من ياسين ضحكة مكتومة وهو يتمتم:
يا بنت المجانين… ده إحنا داخلين علي أيام عنب!
حاوطت حور عنق شاهين بذراعيها بوهن، وكأنها ما إن وجدته أمامها حتى سقطت عنها آخر ذرات التماسك التي كانت تتشبث بها طوال الساعات الماضية.
استكانت بين ذراعيه، وأخفت عينيها عن الجميع بخجل وارتباك، ثم همست بصوت خافت أنهكه التعب:
اتأخرت ليه يا حبيبي؟… إنت كويس؟
تأملها شاهين للحظات؛ تأمل وجهها الشاحب، وعينيها المجهدتين، والأنبوب الممتد إليها، وكأن قلبه لم يحتمل أن يراها بهذا الضعف.
أومأ برأسه، ثم رفع يده إلى وجنتها، ومرر أطراف أصابعه عليها بحنان بالغ، حنان كان يحمل في طياته خوف مكتوم وامتنان لا يعرف كيف ينطقه، ثم غمغم:
أنا كويس وزي الفل يا عمري…
بس بطلي كلام، إنتي شكلك مرهق أوي.
ربتت شهد على ذراع شاهين بحنان، ثم قالت بحنق مصطنع وهي تنظر إلى حور:
يا ابني دي متكلمتش تلات كلمات على بعض من ساعة ما نزلتها….
أومأ شاهين، ثم مد يده إلى الحقيبة التي تركها جانبًا وفتحها، وأخرج منها شطائر الشاورما التي أحضرها خصيصا لها، وقال وهو يناولها إحداها:
إنتي عارفة يا شهد الدكتور قال متتكلميش… بس واضح كده إنكم قمتوا بالواجب مع البت.
ارتسمت ابتسامة واهنة على شفتي حور، ثم وضعت يدها على جانب رأسها وأغمضت عينيها للحظة، قبل أن تتمتم:
مسكتوش خالص يا شينو…
وأنا صدعت وعايزة أنام…
يلا نطلع شقتنا…
تبدلت ملامح شاهين في اللحظة ذاتها؛ فكل ما كان من مرح عابر اختفى، وحل مكانه ذلك الحنان الذي لا يظهر منه إلا معها.
انحنى وقبل جانب رأسها قبلة طويلة هادئة، ثم وضع قطعة من الشاورما بين أصابعها وقال:
كلي يا قلبي… الشاورما اللي بتحبيها. وبعدها نطلع على طول.
اتسعت عيناها بدهشة طفولية محببة، وتعلقت أصابعها بيده بدل من الطعام، وهمست بخفوت:
الله يا شينو… أخيرًا جبتلي شاورما.
ضحك شاهين ضحكة خافتة، ثم رفع يدها إلى فمه وقبلها عدة مرات متتالية، وقال بصوت غارق في الحنان:
يا حبيبي إنتي بس قومي كده على رجلك، وأنا أجيبلك الدنيا كلها تحت رجليكي.
أومأت حور بخجل، ثم بدأت تأكل من يده لقيمات صغيرة، بينما ظلت عيناها معلقتين بالطعام، لا تجرؤ على النظر إلى أحد من شدة خجلها.
راقبها شاهين بصمت، وكانت كل لقمة تبتلعها بالنسبة إليه طمأنينة صغيرة؛ فمنذ أن دخل ورآها بهذا الوهن، لم يعد يعنيه شيء سوى أن تعود إليها عافيتها.
وبعد قليل، همست وهي تنظر إلى ملابسها بضيق:
أنا كمان عايزة أطلع… عايزة أغير الهدوم دي، تقيلة أوي.
أومأ شاهين فورًا، ومد يده يربت على ظهرها في حركات هادئة، ثم قال:
ماشي يا عمري… خلصي أكلك ونطلع. تغيري هدومك، وأنا احميكي وتريحي جسمك شوية.
احمر وجه حور أكثر، فدفنت وجهها في صدره للحظة، بينما ابتسم شاهين بحنان وربت على ظهرها.
علت شهقة جماعية مفزعة، كأن جملة شاهين الأخيرة لم تقع على مسامعهم، بل سقطت بينهم كقنبلة أشعلت المكان دفعة واحدة.
جحظت عينا أحمد، وتجمدت ملامحه للحظة قبل أن تتلبسها غيرة عائلية عاصفة؛ حتى بدا وكأنه على وشك أن يتحول إلى وحش من آكلي لحوم البشر، ثم يلتهم شاهين حيًا دون أن يترك منه حتى عظمة!
وهدر بصوت اهتزت له أرجاء الشقة:
تحمي مين يا ابن الكلب؟! هي وصلت لكده؟!
رفعت شهد يدها سريعًا، وقالت وهي تتراجع خطوة وكأنها أعلنت استسلامها أمام كارثة لا قبل لها بها:
لا… أنا مش هقدر أحوشه أكتر من كده!
أما شاهين، فلم يبد عليه أدنى قدر من الارتباك.
رفع حاجبه ببرود مستفز، وضم حور إليه أكثر، ثم قال وكأن السؤال لا يستحق كل هذه الثورة: جرى إيه؟ مش مراتي؟
انفجرت الضحكات في أرجاء المكان، بينما كاد أحمد بالفعل أن ينقض عليه، لولا يد شهد التي أمسكت باستمانه، وأحاطت صدره بذراعها، وربتت عليه بحنان مستعطف، كأنها تهدهد وحش هائج وتحاول إقناعه بأن يؤجل الجريمة إلى إشعار آخر.
نظر إليها أحمد بيأس شديد، وكأنه يسألها بعينيه: هو أنا المفروض أتحمل إيه تاني؟
فجاء صوت ياسين من الخلف، وقد أطلق صفير طويل بعبث لا يعرف الرحمة:
أحاااا… بالقوي يا عبد التواب! لا معلم… يالا!
شهقت فوزية، وصكت صدرها بحنق وهي تنظر إلى شاهين كأنها اكتشفت فجأة أن ابنها لم يعد ذلك الصغير الذي كانت توبخه على زفارة لسانه:
تحميها؟! أمال إنت مستني الدخلة ليه بقى؟!
اتسعت عينا حور في اللحظة نفسها، وكأن روحها انسحبت من جسدها من شدة الخجل.
أما شاهين، فحدق في الجميع بعينين حادتين، ثم أحاط حور بذراعه أكثر، وقال بنزق وهو يرد على والدته:
هو الجواز حموم بس ولا إيه يا أما؟!
تعالت الضحكات من جديد، بينما دفنت حور وجهها في صدره كأنها تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها، وتعلقت بذراعيها حول عنقه بشدة.
اشتعلت وجنتاها بحمرة قانية، واضطربت أنفاسها من فرط الحرج، ثم همست بالقرب من أذنه بصوت يكاد لا يسمع:
طلعني يا شاهين… إنت هتموتني من الكسوف.
ابتسم شاهين رغم عنه، ثم نهض بها بين ذراعيه في هدوء، رافعًا إياها كما لو كانت أخف شيء في العالم، بينما قبضت هي على عنقه أكثر، وأخفت وجهها في كتفه.
استدار شاهين نحو الجميع، ورفع حاجبه بغيظ مصطنع، ثم هدر:
بتحفلوا عليا؟! طيب أنا مش رايح مع ولا علـ* فيكم عشان تحفلوا كويس!
انفجرت الضحكات مرة أخرى، حتى إن بعضهم لم يعد قادرًا على الوقوف من شدة الضحك.
أما أحمد، فنهض أخيرًا، وأشار إليه بنزق وهو يقول:
إنتوا هتطلعوا فوق تاني ليه؟
هاتها على اوضتها عندي!
هز شاهين رأسه بالنفي دون حتى أن يبطئ خطواته، وقال بثقة حاسمة:
لا… خلاص. العروسة وصلت شقتها.
وكأن الجملة لم تكن تحتمل نقاش آخر، تحرك سريعًا نحو الباب، حور بين ذراعيه، بينما كانت هي لا تزال مدفونة في صدره من شدة الخجل.
وقبل أن يجد أحمد فرصة للاعتراض، كان شاهين قد اختفى من أمامهم….
تارك خلفه عائلة كاملة بين ضحكات مكتومة، وغيظ مشتعل، ونظرات متبادلة تقول إن هذا الرجل تحديدًا… لا يعرف كيف يمر يوم واحد في حياته دون أن يشعل البيت فوق رؤوس الجميع.
هز أحمد رأسه بيأس، ثم تمتم وهو يهم إن يتحرك إلى الباب الذي اختفى خلفه:
ده أنا كان ناقصني شاهين… ناقصني بس.
خد يالا…
قبضت شهد على ذراع أحمد قبل أن يندفع خلف شاهين، وشدت عليه برفق وهي تقول:
استنى بس نفهم يا أخويا.
استدار أحمد إليها بوجه مشتعل، ثم التفت إلى فوزية، وأشار بيده إلى الطابق العلوي في حنق لا يخلو من غيرة الأب التي لا تعرف المنطق حين يتعلق الأمر بابنته:
جرى إيه يا فوزية؟! هو ابنك اتجنن؟!
إحنا لسه عملنا فرح عشان يباتوا في شقة واحدة؟!
تبادل يونس وياسين وزكريا النظرات في صمت متوتر، وكل واحد منهم يحاول جاهداً أن يبدو بريئ، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب ولا بعيد.
أما فوزية، فهتزت عيناها بحنق، ولوحت بيدها بيأس وقالت:
ما هو أصل شاهين مش هيعمل فرح… هو خلاص اكتفى بكتب الكتاب.
توقفت ملامح أحمد عند تلك الجملة، ثم قطب حاجبيه بدهشة صريحة:
ليه يعني؟! هو أنا عندي عشر بنات عشان ما أعملش للبت الحيلة فرح؟! دي بنت أحمد المهدي! تدخل كده على الساكت؟ كأنها معيوبة ولا خرج بيت؟!
وضعت فوزية يدها على رأسها، وقالت بنزق وهي تستعيد حديث ما زال عالق في ذاكرتها:
اسكت يا أحمد! قال الواد خايف يعمل فرح! ده الواد كان هيجلطني لما قالي بقي المعلم شاهين المهدي يخش سكتي! والله دي عجوبة يا ولاد!
ارتسمت على وجوه الرجال ابتسامات مترددة، بينما مسح زكريا وجهه بكفه في إنهاك، وقال:
يا جدعان… ما تسبوه براحته، هو له حق يخاف …بدل ما يطفش منكم تاني!
لكن شهد أومأت برأسها، وقالت بهدوء وهي تحاول تهدئة أحمد:
آه والله… مش مهم الفرح …المهم إنهم وسطنا، والبت قامت بالسلامة يا أحمد.
هز أحمد رأسه نافيًا بحسم، وكأن تلك الحجة لم تستطع أن تمس شيئًا في داخله، ثم قال بصوت أثقلته عاطفة الأب:
لا طبعًا… أنا عايز أفرح ببنتي… كفاية يوم كتب كتابهم كان يوم متعقرب… أنا عايش العمر كله مستني اليوم ده يا شهد. ولو مش هعرف احمي بنتي البس طرحه بقي…
ساد الصمت لحظة.
فوراء غضبه لم يكن هناك سوى أب يحلم بفرحة بسيطة؛ أب ظل يحتفظ في قلبه بصورة ابنته وهي ترتدي فستانها الأبيض، منذ أن كانت طفلة صغيرة تركض في أرجاء البيت، حتى كبرت وصارت عروس يفترض أن يزفها أمام الدنيا كلها.
أومأت فوزية برأسها مؤيدة، وقالت بحماس صادق:
أيوه… ده الواد البكري يا شهد، وحور ست البنات… ورحمة عبالتواب في نومته، ما يكون غير بفرح يحكوا ويتحكوا عنه الناس في السيده زينب من شرقها لغربها…
ثم راحت تتخيل الأمر بعينين تلمعان بالفرح، وكأنها ترى ابنها بالفعل بين أهله وأحبابه، للمرة الأولى منذ وقت طويل دون خوف أو قلق أو شبح مصيبة يفسد عليهم لحظتهم.
وما إن شعر ياسين أن الأجواء بدأت تميل إلى العاطفة حتى قرر، كعادته، أن يقتلها في مهدها.
جلس بجوار والدته، وقال بمرح:
أيوه يا فوفه… واعمليه فرح جماعي إحنا الأربعة بقي!
التفتت إليه فوزية، ولكزته في ذراعه بحنق:
أيوه! عشان ينشكم عين تقعوا مني واحد ورا التاني! إحنا ناقصين أقر يا ولا؟!
انفجر الجميع بالضحك.
ضحك زكريا حتى مال برأسه إلى الخلف، بينما ضرب يونس كف بكف، وأطلق ياسين ضحكته العالية، وحتى أحمد، الذي كان منذ لحظات يقف غاضب كأن القيامة قامت فوق رأسه، لم يستطع منع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى وجهه.
وكانت تلك الضحكات أكثر من مجرد ضحكات عابرة…
كانت إعلان صغير بأن البيت بدأ يستعيد روحه.
فبعد أيام طويلة أثقلتها الخوف، والمرض، والدموع، والقلق، بدت تلك اللمة وكأنها شيء ثمين.عاد إليهم من بين أنياب القدر.
لم يكن أحد منهم يعرف ماذا تخبئ لهم الأيام القادمة، ولا إن كانت الحياة ستمنحهم فرصة طويلة ليحتفظوا بهذه اللحظة…
لكنهم، للمرة الأولى منذ زمن، كانوا جميعًا هنا.
معًا.
يضحكون، ويتشاجرون، ويتبادلون السخرية كما اعتادوا…
وكأن البيت نفسه، بعد أن ذاق مرارة الغياب والخوف، تنفس أخيرًا وقال لهم:
لقد عادت اللمة.
……..
في المستشفى…
لم يكد الليل يبتلع آخر أصداء الحركة أمام المستشفى، حتى انقلب السكون في لحظة واحدة إلى فوضى عمياء.
توقفت عدة سيارات دفع رباعي أمام المدخل بصرير حاد، اندفعت عجلاتها فوق الأرض بعنف حتى ارتجف المكان تحتها…
ثم انفتحت الأبواب دفعة واحدة، وترجل منها رجال غلاظ الأجساد، عابسون الوجوه، تكسو ملامحهم قسوة باردة لا تعرف التردد.
كانت الأسلحة النارية الثقيلة في أيديهم، وما هي إلا لحظات حتى دوى أول إطلاق للنار.
ثم انفجر المكان.
انطلقت الرصاصات في كل اتجاه، تشق الهواء كسهام ملتهبة، وارتدت أصواتها بين جدران المستشفى في ضجيج مرعب جعل القلوب ترتجف قبل الأجساد.
تعالت الصرخات.
واندفع الناس هاربين في كل اتجاه، بينما انكب آخرون على الأرض اتقاء لوابل الرصاص، وتدافع المرضى وذووهم نحو الأبواب والممرات، وقد تحولت لحظات الانتظار العادية إلى جحيم مفتوح.
اندفع رجال الأمن إلى مواقعهم، وارتفعت الأسلحة في مواجهة المهاجمين، لينفجر اشتباك عنيف بين الطرفين.
رصاص يتقاطع في الهواء.
صرخات تتداخل مع أوامر متقطعة.
وزجاج يتناثر تحت وطأة الفوضى.
لم يكن هناك وقت للتفكير؛ فقط غريزة النجاة، وصوت الرصاص الذي يبتلع كل شيء.
استمر الاشتباك بعنف خاطف، حتى بدأ ميزان القوة يميل تدريجيًا ناحية المهاجمين، وسقط عدد من رجال الأمن، بينما تراجع آخرون تحت ضغط الهجوم المباغت.
وخلال دقائق معدودة، فرض المسلحون سيطرتهم على محيط المستشفى، وأغلقوا مداخلها، وانتشروا في المكان كأنهم جاءوا لتنفيذ مهمة واحدة لا تحتمل الفشل.
ثم…
انفتح باب إحدى السيارات ببطء.
وترجل سميح الضبع.
لم يكن دخوله عادي..
كان يعرج في خطواته، يتكئ على ساقه المصابة، لكن العرج لم ينتقص شيئًا من هيبته؛ بل زاده قسوة ووحشية.
كان وجهه مشدود بغضب قاتم، وعيناه محتقنتين بالدم، كأن نار مشتعلة سكبت علي جمر ، وكأن كل قطرة دم سالت في المكان لم تكن سوى وقود لغضبه.
توقف لحظة أمام مدخل المستشفى.
رفع عينيه إليه.
ثم مرر بصره على رجاله المنتشرين حوله، وعلى الفوضى التي خلفها الهجوم، قبل أن ترتسم على فمه ابتسامة باردة لا تحمل ذرة من الرحمة.
كان قد جاء.
ولم يأتي ليطمئن على أحد…
بل جاء ليأخذ ما يريده، ولو اضطر إلى تحويل المستشفى بأكمله إلى مقبرة.
وبإشارة حادة من رأسه، رفع رجال سميح أسلحتهم الثقيلة دفعة واحدة، ثم انطلقت الرصاصات في الهواء كالمطر المحترق، متتابعة بلا رحمة، حتى لم يبقي في المكان صوت يعلو فوق هديرها…الرصاص.
والصرخات المختنقة.
ورائحة الدم التي تسللت إلى الهواء وأثقلت الأنفاس.
تحرك سميح الضبع بينهم ببطء، يجر ساقه المصابة، بينما كانت عيناه تتجولان في المشهد من حوله ببرود مقزز.
توقف للحظة أمام أحد رجال الأمن الممددين على الأرض، ثم خفض عينيه إلى الجسد تحت قدميه، وارتسمت على ملامحه نظرة تشف مريضة، وكأن سقوطهم لم يكن بالنسبة إليه سوى مشهد يرضي شيئًا مظلم في داخله.
ثم رفع رأسه نحو من بقي حيا.
تأمل الوجوه الشاحبة، والأسلحة التي انخفضت، والأجساد التي التصقت بالأرض خوف من رصاصة أخرى.
وقال بصوت خشن غليظ، خرج كأنه تهديد لا يحتمل النقاش:
إحنا هندخل ناخد اللي لينا ونخرج…
واللي عايز يحافظ على حياته، يمثل إنه ميت.
ساد صمت ثقيل.
صمت لم يكن فيه أحد يجرؤ حتى على ابتلاع ريقه.
وببطء، وضع الجميع أيديهم فوق رؤوسهم، وانخفضت أعينهم إلى الأرض، بينما استسلموا للصمت كأنهم بالفعل جثث هامدة لا حياة فيها.
ابتسم سميح ابتسامة جانبية باردة، ثم أشار لرجاله بالتحرك.
تقدموا عبر ممرات المستشفى بخطوات ثقيلة، وأسلحتهم مرفوعة، بينما كانت أبواب الغرف المغلقة ترتجف على جانبيهم، والمرضى وذووهم يختبئون خلفها وهم يحبسون أنفاسهم.
حتى وصلوا إلى غرفة العناية المركزة.
دفع أحد الرجال الباب، فاندفع سميح إلى الداخل، يتبعه الطبيب الذي أجبره رجاله على مرافقتهم، وعدد من المسلحين الذين انتشروا في أرجاء الغرفة.
تجمد أحد الأطباء في مكانه، ثم اندفع أمامهم محاول اعتراض طريقهم، وهتف بانفعال:
إنتوا مين؟! إزاي تدخلوا هنا؟! اطلعوا بره فورًا!
نظر إليه سميح.
لم يحتاج إلى أكثر من ثانية.
رفع سلاحه ببرود قاتل، وانطلقت رصاصة واحدة استقرت في صدر الطبيب، فسقط أرضًا وسط صدمة من حوله…
بينما ارتسمت على وجه سميح تلك اللامبالاة المرعبة التي جعلت الجريمة تبدو بالنسبة إليه كأنها أمر عابر لا يستحق حتى التوقف عنده.
ثم أشار بسلاحه نحو سرير عابدين، وقال للطبيب الآخر:
شوف شغلك يا دكتور.
ارتجفت يد الطبيب، لكنه أومأ برأسه سريعًا.
اقترب من عابدين، وبدأ يفصل الأجهزة المتصلة بجسده بحذر شديد، بينما وقف المسلحون حوله يراقبون كل حركة.
كان صوت الأجهزة الطبية يملأ الغرفة بنبضات منتظمة، كأنها الشيء الوحيد الذي لا يزال يعلن أن هناك حياة تتشبث بهذا الجسد.
مد الطبيب يده نحو أحد الأسلاك…
وفجأة…
انطفأ كل شيء.
انقطع التيار الكهربائي عن المستشفى بالكامل.
اختفت الأضواء.
توقفت الشاشات.
وغرق المكان في ظلام دامس مفاجئ.
حل الصمت لثواني…
صمت أثقل من صوت الرصاص نفسه.
ثم بدأ أحد أجهزة الطوارئ يطلق صفير متقطع في الظلام.
رفع سميح رأسه ببطء.
وتجمدت ملامح الطبيب.
أما الرجال المسلحون، فتبادلوا النظرات وسط العتمة، بينما لم يعد أحد يرى الآخر بوضوح.
وفي مكان لا يضيئه سوى ومضات خافتة متدي بدأ شيء آخر يتحرك.
ووووو
ساحره القلم ساره احمد

تسلم ايدك ياقلبي ❤️
روايه فخمه فظيعه جميله اوي اوي تسلم ايدك ليفل قله الادب عالي جدا لعائلة شينو ربنا يستر على اللي جاي بهرتينا بجد كملي كملي ياقلبي ❤️❤️
الله الله عالجمال يا سو
Finally found a site that doesn’t lag during peak hours. The game variety is impressive and the registration process was a breeze. Love it here! Try phjiliok
يا خبر ع التشويق
تحفة يا قلبي تسلم ايدك